ونحن نعلم أنهم منذ أول يوم وقفوا له وحاولوا أن يعوقوا ركبه وأن يعطلوا وظيفته، وأن يردوه على وجهه في كل قصد يقصده وكل طريق يبتدئ منه الخطى فإن علموا أن وافداً جاء يسأل عنه أو غريبا يسعى في طلبه أخبروه عنه الأخبار الكاذبة وحدثوه الأحاديث الملفقة حتى لا يصل إليه أو يؤمن به.
وقد حدثوا: أن الأعشى الشاعر جاء إليه ليعلن إسلامه ومعه قصيدته التي قطعها:
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا
لينشدها بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - فاعترضه عامر بن الطفيل، وقال له: يا أبا بصير إنه يحرم الزنا
فقال له: ما لي به من حاجة فقال له: ويحرم الخمر، قال له: أغيب عنه إلى العام القابل حتى أرتوي منها ثم أجيء إليه وفي طريقه وهو عائد مات.
وفي الأسواق التي يقيمونها للتجارة وللأدب كعكاظ وذي المجنة وكان يدب في أزقتها ويندس في طرقاتها ويمشي في مسالكها ليدعو إلى دينه وينوه برسالته ولا تخلو هذه الحركة كلها من فائدة حتى ولو أعرض عنه الناس أو واجهوه بالبرود وعدم الاكتراث فإنهم سيتحدثون إلى أهليهم وذويهم بما صادفوه في أسفارهم وما لاقوه في غربتهم ولذلك كانت الأبواق من كل جهة وفي كل مكان تتحدث عن حدث جديد ورسالة جديدة وكان ذلك بمثابة التهديد لما سيكون من تبليغ ومعرفة وإذعان وقبول.
والمؤرخون يعتبرون أن بوادر انتصار الإسلام ودخول دعوته في مرحلة جادة قوية في أفق أوسع ونطاق أرحب كان من "بيعة العقبة"، وهي منسك من مناسك الحج حيث ترمى الجمار وهي عقبة أولى وثانية وثالثة.
وتفصيل ذلك: أنه - صلى الله عليه وسلم - كما كان يدعو في الأسواق كان كذلك في أيام الحج فيلتقي بالناس في موسم الحج ويتعرف على كبارهم وذوي المكانة في أهليهم وعشيرتهم ولما بدا له أن يفعل ذلك والتقى بنفر من والأوس، بايعوه على السمع والطاعة والنصرة والكف عن المحارم وكان عدد هذا النفر ستة فقط.