تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي الحق أن اليقين الذي عمرت به نفسه والإيمان الذي أنار بصيرته والثقة التي لا حد لها في خالق الخلق وبارئ النسم ومصرف الكون تجعله يسخر من كل هذه المظاهر وما الشمس والقمر والنجوم والكواكب والأرض والسماء والجاه والسلطان والنفوذ والحكم والرياسة والملك أو ما يسوى ذلك وذلك؟ أليست كلها من خلقه جل جلاله؟ ونتيجة حتمية لقوله: (كن) ولو شاء لأزالها وسلبها بهجتها على أن الذي امتلأت يداه بأعظم من الشمس والقمر لا يفرح بها ولا يطرب لحيازتهما وقد ملأ (محمد - صلى الله عليه وسلم - يديه برضا ربه عنه وحب مولاه له وأفعم قلبه الكبير به وهي ثروة - كما يري - لا يكون القمر والشمس معها إلا هباء منثورا، وما المال والملك ومتاع الحياة الدنيا على اختلاف أنواعه إلا كمالا نفسيا يطلبه المرء ليجبر به نقصا كان به أو يغطي عوارا لحقه «ومحمد» - صلى الله عليه وسلم - كما جاء في سورة الضحى - صنعه خالقه على عينه وأدبه سيده بأدبه وتعهده مولاه بعنايته، وطهره بارئه من رجس الشيطان، فكان قلبه نقيا وفؤاده سليما وضميره متيقظا وروحه عالية وهمته بعيدة وعقله رشيدا وإيمانه حميما ... وكل هذه معان إذا أضفى الله - سبحانه وتعالى - رداءها على

إنسان صار بها من الأبرار المقربين لا يف في غرض ولا ينحرف في قصد ولا يلتوي في سنن ولا يقصر في واجب ولا ينام عن مكرمة ولا يقف دون غاية.

وهذه الكلمة التي قالها (محمد) - صلى الله عليه وسلم - إلى جانب كونها سخرية بما كان لهم من أهداف واحتقار لما كان لديهم من دنيا وازدراء لما كان عندهم من موازين ترسم للمصلح الاجتماعي التصميم الجازم الذي يصير عليه والعزيمة القوية التي يتحلى بها وإلا كان جهده هزيلا وعناؤه ضائعا وسعيه خائبا ... وذلك هو المنطق الذي وصل به الرسول الكريم إلى القمة وانتهى به إلى الغاية مع قلة عدده وكثرة خصومه.

من فيض الرسالة · الصفحة ٤٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

من فيض الرسالةص ٤٣