أما الحمزة هذا فكان سبب إسلامه غيرته على الرسول وحميته له وغضبه لأجله وكراهيته أن تنال منه يد آثمة مهما كان شأنها وقد رووا أن أبا جهل - قبحه الله وأخزاه - تلاقى بالنبي صلى الله عليه وسلم عند الصفا فازدراه وسخر منه، ثم لطمه على وجهه وسرى ذلك الخبر في شعاب مكة وقابله الناس بالبشاعة والاستنكار والوجوم والسخط وعدم الرضا والارتياح، وكان (الحمزة) في لهو عن ذلك كله لاشتغاله بالصيد والقنص والرياضة في الصحراء بعيدا عن العمران فلما رجع من رحلته وحضر من سفره وانتهى إليه هذا الخبر المؤلم لم يستطع الصيد ولم يقدر على الإغفاء، ولم يحتمل مع كفره وكونه جنديا من جنود المعارضة لابن أخيه أن يسكت على هذا الضيم الذي أصابه في أهله فذهب إلى المسجد وأخذ بتلابيب أبي جهل وضربه بالقوس
على ناصيته ولما شجت رأسه وسال دمه وأراد بعض أصحاب أبي جهل أن يثأروا له أمرهم أن يكفوا، وقال لهم: أنا الباغي وعلى الباغي تدور الدوائر، وأفهمهم أنه تطاول على ابن أخيه ظلما وعدوانا.
وفي هذا الوقت لم يسع (الحمزة) إلا أن يواصل سعيه لشفاء غليله من أبي جهل وفريق المشركين أجمعين فذهب إلى ابن أخيه وأعلنه أنه منذ هذا اليوم قد صار جنديا من جنود الله في ميدان الدعوة إلى دينه، والدفاع عن شريعته ثم ظل إلى جانبه - صلى الله عليه وسلم - وكان الرسول يحبه حبا لا مزيد عليه ولأن الذي قتله (وحشي) - عبد جبير بن مطعم - في غزوة أحد كان لا يحب أن يراه على الرغم من أنه أسلم بعد ذلك - والإسلام يجب ما قبله - ولذلك يحكي هذا القاتل عن نفسه: أنه كان أشد الناس ألما لما كان من الرسول له وظل ذلك يحز في قلبه، وكان يود مخلصاً أن يرضى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم فقيض الله له أن يقتل مسيلمة في خلافة أبي بكر فاطمأن خاطره ورجا من الله سبحانه وتعالى أن يكون ذلك إرضاءا للنبي - صلى الله عليه وسلم -