تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومحمد -صلى الله عليه وسلم - بإجماع المنصفين من فحول البلاغة لا يدانيه أديب ولا يدرك شأوه فصيح ولا يجري في حلبته إنسان وقد وجد في هذا الخطاب الذي وجه إليه والأسلوب الذي تحدث به الوحي نمطا من القول ولونا من ألوان التعبير، لا عهد له به من قبل، سحره تصويره وخلبه بيانه، وامتلأت منه نفسه بما له من روعة وما فيه من حسن ارتفع إلى سماء عالية فلم يسعه إلا أن يقف منه موقف الذاهل إعجابا بتمكنه من التأثير عليه تمكنا أنساه ما كان يعانيه قبل ذلك من حرارة الحرمان ولوعة الفراق.

ولقد رأي - صلى الله عليه وسلم - قوله سبحانه: (والضحى والليل - الآيات) خطابا يلامس وجدانه ويثير أحاسيسه فهو يقسم له بالضحى والليل وهما يذكر محمد ليل همه وظلام حيرته وضيق صدره وجرح نفسه وتراكم هواجس وكأنما يتخيل باقترانهما ومجيء الضحى آخذا بتلابيب الليل: أن مع العسر يسرا، وبعد كل ضيق فرج فيتطامن ويهدأ ويسكن ويسكت.

وفي ذلك العرض الإجمالي لتاريخه: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (8).

تأخذه الدهشة لأنه تصوير ناطق وتعبير صادق لم ينحرف عن الواقع وكأنما كان حاضراً معه، فينتقل من تلك الدهشة التي تبعث الرهبة في نفسه والمهابة في قلبه إلى قوله:

(فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (10)، فيجد الحنان الذي يملأ جوانحه لهؤلاء الضعاف ويستريح الراحة كلها

لهذه الوصية الأكيدة التي يوصيه بها ربه لأنه ذاق اليتم، وعرف مرارة الحرمان التي قد تحمل صاحبها على ذل السؤال وكأنما يناجيه فؤاده بأن شيئاً من ذلك كله لا يكون منه، ثم يعود إلى ذلك الصوت الذي يهز ضميره: (وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى (4) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5).

فيحمد الله على هذا الوعد الحلو والبشارة الصادقة.

من فيض الرسالة · الصفحة ٣٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

من فيض الرسالةص ٣٠