عن تلك السحابة من الحزن الذي كان يلازمه من جراء قالة المرجفين وحديث الشامتين الذين كانوا يملأون مكة أن محمداً قد تركه ربه وبغضه مولاه وانصرف عنه ذلك الملك الذي كان يزعم أنه ينقل له خبر السماء ويبلغه التحيات المباركات عن خالق الكون كله، ولا يؤلم المرء أو يحز في نفسه أو يسيء إلى شعوره ويكدر خواطره مثل الشدة بعد الفرج والإحجام بعد الإقدام، والنقمة بعد النعمة والشر يجيء بعد الخير.
وقد ظل هذا الحرمان الذي ابتلي به مدة يختلف المؤرخون في تحديدها على أقوال متضاربة وآراء متباينة من أربعين يوماً إلى ثلاث سنوات إلا أنهم لا يختلفون في أنها أشد أيام مرت به وأوجع شدائد صادفته وآلم فترات عاشها في الحياة.
ونحن من جانبنا إنما نتصورها أسلوبا من أساليب التشويق الذي يقول عنه علماء التربية: إنه أحسن الوسائل للتعلق بالمطلوب والتلقي له والحرص عليه ووعيه وعيا لا يخامره شك، ولا يداخله ريب وقد كانت
كل خطوات جبريل معه - صلى الله عليه وسلم - تربية وتهذيبا وتعليما وتوجيها وإرشادا؛ ليكون منها بعد ذلك كله أحسن المواعظ والعبر (لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا).
على أن الوحي بعد هذه الفترة قد أروى ظمأه وشفى غيظه وأذهب غليله وأرضى خاطره وبدد همومه وأحزانه بما أسبغه عليه من بر وأضفاه عليه من معروف وأشاعه فيه من أمل ورجاء: (وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى (4) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (8) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (10) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11).