تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

العظيم والأدب العالي والرأي السديد والفكر الواعي والأمانة النادرة والقلب النقي والرجولة الصحيحة إلا أن تعرض نفسها على هذا الرجل الذي لم تجد له مثيلا بين أهلها وذويها وقومها وعشيرتها، وليس ذلك لما بينهما من فارق السن - إذ كانت في الأربعين وكان في الخامسة والعشرين ولكن لهذه المعاني النبيلة والسجايا الخليلة على أنه - لم يعرف عنه أنه وقد أسلمت إليه خديجة هذا القياد، وجعلت في يده هذا المال - كان مستغلا لنفوذه أو مغتصبا لحق سواه بل كانت يده في هذا المال يد الأمين ونفوذه نفوذ الوكيل وتصرفه تصرف العامل لم يظهر عليه بذخ ولم يبد منه سرف ولم يخطر يوماً في شكل الأعيان والوجوه، وقد أرسله الله رسولاً وفتحت له الدنيا أبوابها فلم يخدعه زخرف من زخارفها ولم يفتنه شيء منها.

وهذه عائشة رضي الله عنها تحكي لنا هذا الخلق وتسجل عليه هذا الطبع وتصف لنا فيه ذلك الزهد إذ تقول: "ما شبع آل محمد - منذ قدم المدينة من طعام البر ثلاث ليال تباعا حتى قبض".

ولعل بعد هذا السرد الذي سردناه من حياته - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يبعث الله به رسولاً إلى الناس تدرك أنه كان يأبى كل الإباء أن يعيش كَلًّا على أحد، أو عالة على إنسان، وتلك هي التي يسميها علماء الأخلاق العصامية، ممجدين لشأنها معتزين بالاتصاف بها.

وكأنما كانت إرادته سبحانه وتعالى تقضي أن ينشأ يتيما فقيرا لتكون هذه العصامية أبرز صفاته وأوضح خلاله، وليكون ذلك امتحانا لرجولته وتربية له وإعدادا لهذا المستقبل الحافل الذي كان ينتظره.

من فيض الرسالة · الصفحة ١٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

من فيض الرسالةص ١٩