وكان وهو في كفالة عمه أبي طالب بعد أن أحس من نفسه القدرة على مزاولة البيع والشراء في التاسعة من عمره يتعلق به ويلح عليه ليأخذه معه، وكان عمه يستقبل منه تلك الرغبة بالارتياح وبخاصة بعد أن تبين له إنما يفعل هذا فرارا من التواكل وهربا من أن ينبت لحمه من غيره.
وأول مرة تعلق به هذا التعلق هي تلك المرة التي استقبله فيها بحيرا الراهب في الطريق إلى الشام وحذره من اليهود، وأفهمه أنهم سيقتلونه إن ظفروا به، لأن في كتبهم نعته، وفي شرائعهم تحديد المصير الذي يترقبهم على يديه، وهم لهذا يجدون في طلبه ليقطعوا عليه الرسالة وهم بذلك يكررون مأساة فرعون مع أطفال مصر حتى
لا تتحقق نبوءة الكهنة الذين أخبروه أن ملكه سيزول على يد غلام يولد في هذا الوادي، فأمر بقتل كل مولود ذكر، ولكن ذلك كله لم يحل دون قضاء الله وقدره، وزال ملكه على يد موسى الذي تربى في بيته ونشأ في جواره. ولم يزل على هذا الخلق يعمل لأصحاب رءوس الأموال بين مكة والشام، وهو في هذه الآونة الرجل المحترم والإنسان الكريم على الناس، يتسابقون إلى طلبه، ويتنافسون في وده، لأن الأمانة التي تحلى بها والصدق الذي غلب عليه والخبرة التي حذقها والبصر الذي كان له والخلال الطيبة التي كانت العامل الأول في إعجابهم به وحديثهم عنه جعلتهم يعتبرون الظفر به مغنما من المغانم التي يكون حصولهم عليها عنوان الجد السعيد والحظ الموفور.
والسيدة خديجة، لم تكن من دهماء الناس ولا عامة الشعب لأنها من أشراف قريش وأغنياء العرب، وكثير من وجوه أهل مكة كان يتمنى أن يطلب يدها ويخطب ودها، وكانت هي تقابل ذلك بالدفع والامتناع والكبرياء والصلف، إلا أنها لم تملك أمام هذا الخلق