وكان عدد المسلمين في هذه العمرة ألفين كانوا في نشاطهم وطوافهم وقوة تحركهم يمثلون الهول الطارق الذي زلزلت له أفئدة قريش، وقد علا بلال ظهر الكعبة وأذن للصلاة، وكان هذا المنظر الرائع الذي يملأ قلوب المسلمين بالثقة والاعتزاز مغرياً لعبد الله بن رواحة أن يقذف في وجه قريش بصيحة الحرب لولا أن صدَّه عن ذلك عمر بن الخطاب، وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: مهلا يا ابن رواحة، وقل: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وحده نصر عبده وأعز جنده وخذل الأحزاب وحده، فنادى بها ابن رواحة رافعاً صوته وردّدها المسلمون بعده فتجاوبت بأصدائها
جوانب مكة وارتفعت رهبتها إلى قلوب الذين كانوا بالجبال هرباً من هذا المشهد الذي كان يثير في نفوسهم الحقد والكراهية، وكانت أم الفضل زوجة عمه العباس قد قدمت أختها ميمونة التي أحبت الإسلام وآمنت به، ورغبه العباس في الزواج منها فلما تقدم إليه سهيل بن عمرو أن يخرج بعد انتهاء الأيام الثلاثة قال له الرسول - صلى الله عليه وسلم - ماذا عليكم لو أعرسنا بينكم وأولمنا وأشركناكم معنا طعام الوليمة؟ فقال له: لا حاجة لنا لطعامكم ... إلا أن هذه الأيام التي أقامها النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه كانت نموذجاً طيباً للسلوك القويم والخلق الكريم والأدب الرفيع والمعاشرة الحسنة، حملت كثيراً من العقلاء أن يعلنوا دخولهم في دين محمد حتى لقد وقف خالد بن الوليد فارس قريش وأحد أبطالها المغاوير ينادي في بطن مكة قائلاً: (لقد استبان لكل ذي عقل أن محمداً ليس بشاعر ولا ساحر وأن كلامه من كلام رب العالمين فحق على كل ذي لب أن يتبعه)