ولقد كان وقوفه صلى الله عليه وسلم لهذه القوى الجبارة والخصومات الفاجرة دليلاً على أنه لا يقف وحده، وإنما كانت معه إرادة الله التي هي السلاح الذي لا يفل، والجيش الذي لا يُغلب،
ولولا ثقته بهذا الجانب المتين الذي كان ظهره إليه واعتماده عليه لخانته الأسباب، وخفي عليه الصواب، وكان له تاريخ آخر غير هذا التاريخ.
وقد كان لأصحابه في تلك الأدوار البطولية المواقف الرائعة والعمل الجاد والجهد المشكور حتى في غير ميدان الكر والفر، وهو ما نسميه نحن الآن بالحرب النفسية كما فعل نعيم بن مسعود في السفارة بين قريش وبني قريظة في غزوة الأحزاب المسماة بالخندق، وهي السفارة التي كانت سببا في فقدان الثقة بينهما فقدانا كان له أثره البارز في هزيمة الأحزاب، أو بعبارة أدق في خيبة التجمع الذي أرادت الأحزاب من ورائه الدخول إلى المدينة والقضاء على محمد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه حتى لا تقوم له قائمة إلى الأبد.
وما كانوا يظنون على الباغي تدور الدوائر، وليس أكثر من هذا الرعب الذي ملأ قلوبهم والفزع الذي تحطمت به نفوسهم إلى درجة أنهم وصل بهم الحال أن يتصوروا الخوف في كل شيء، وقد حدث أن النبي صلى الله عليه وسلم لما انتهى العام الذي تضمنته المعاهدة وخرج مع أصحابه يريد دخول مكة ليقضي العمرة التي ساق لها الهدْي في عامه السابق، وعلمت قريش بقدومه أخذهما الهلع وظنت أنه صلى الله عليه وسلم سيغدر بها ويغزوها في عقر دارها، وربما كان سوء الظن الذي يملأ نفوسهم سببا في أن يأمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أصحابه في طوافهم بالبيت أن يظهروا حركة ونشاطاً يدلان على القوة لتمتلئ نفوسهم بالرعب والخوف، فقد روي أنه لما دخل المسجد اضطبع بردائه وأخرج عضده اليمنى، وقال: (رحم الله امرأ أراهم اليوم من نفسه قوة).