وأرادت قريش أن تستوثق من خطة اليهود فسألت حُييا عن قومه من بني النضير فقال: تركتهم بين خيبر والمدينة يترددون حتى تأتوهم فتسيروا معهم إلى محمد وأصحابه، وسألوه عن بني قريظة فقال: أقاموا بالمدينة مكرا بمحمد حتى تأتوهم فيميلوا معكم عليه، وما زال بقريش يسهل لهم الأمر ويرغبهم حتى أخذ معهم موعدا بعد أشهر يكون قد جمع لهم فيها الأحزاب من كل قبائل العرب ... بلغت أنباء هذا المسير معه في المدينة ففزعوا وقد رمتهم العرب كلها عن قوس واحدة، وإذا كانت قريش قد انتصرت في أحد ولم تكن في أكثر من ثلاثة آلاف فماذا يصنع المسلمون لمقابلة هذه القوة التي تبلغ أكثر من ثلاثة أمثال قوة قريش حينئذ؟ لم يكن من سبيل سوى التحصن بالمدينة، ولكن أيكفي التحصن أمام هذه القوة الساحقة، ثم إن النبي لا يريد المغامرة وليست البطولة هي التي يحرص عليها، فالحرب عنده وسيلة لا غاية وهو - وإن كان سريع النهضة لضرب العدو - دقيق التنظيم ماهرا في القيادة، فإنه ليس على مثال قواد الحرب وأربابها يسعى وراء تحقيق مجد حربي، وإنما هو نبي يريد سيادة مبدأ، وتحقيق رسالة، ويحرص على السلم ما دام له عن القتال مندوحة.
وقد أقبلت قريش وأحزابها وهي ترجو يوماً كيوم أحد، ولكنها لم تجد جيش المسلمين في مساحة مكشوفة مثل يوم أحد، وإنما وُوجهت بتنظيم جديد وفاجأها بخندق فأخذها العجب إذ لم تكن تتوقع هذا النوع من الدفاع المجهول، وكان الوقت شتاءا والجو باردا والرياح شديدة، وأدركت قريش وأحزابها أنهم مقيمون أمام الخندق طويلا يتعرضون لهذا الجو القاسي الذي تعجز خيامهم عن حمايتهم منه، ومحمد وأصحابه بخندقهم ولديهم الميرة ومساكنهم ورائهم فهم يستطيعون الصبر طويلا، أفليس الخير للأحزاب أن يعودوا أدراجهم، لكن جمع هؤلاء العرب لحرب محمد مرة أخرى ليس بالأمر