نفسه للموت بغير ثمن وللهزيمة بدون جدوى، وقد كان الأجدر به والهزيمة تحل بالجيش لا محالة أن يهيئ لنفسه طريقا للفرار كما فعل كثير من أصحابه حرسا على حياته من الهلاك، وإبقاء على روحه التي لم يكن ليملكها وحده ولكنها كانت ملكا للبشرية التي يعمل ويكدح لإنقاذها ويعيش ليأخذ بيدها ويكافح للنهوض بها وتوجيهها إلى مستقبل أفضل، وحياة أحسن وسلوك أمثل، إلا أنه أراد أن يضرب المثل للناس على أنه وهو يحمل أعباء الرسالة ومسؤولية الدعوة إلى الله لا يعنيه أن يكون إلى جانبه قوة من الناس تسانده وجيش من المحاربين يعاضده، لأنه لا يود أن ينتصر بالسيف، ولا أن يغلب بالقوة، ولا أن يظهر بالبطش، ولا أن يعلو بالعدد والعدة،
وهو الذي يعتمد على المنطق ويدعو إلى الحق ويقود الإنسانية إلى التي هي أقوم ومثله لا يثقل ميزانه أن ينتصر في معركة أو يغلب في جولة أو يضطر خصمه معه إلى أن ينزل على حكم القوة، أو إرادة التسلط والنفوذ، لأن هذا هو أسلوب المفلسين من الحجة والبرهان أو الصواب والحق.
على أن انصراف خصومه عنه مع هذا النصر الساحق الذي أصابوه كان من المعجزات التي أيده الله بها والخوارق التي سخرها له، فلقد وقفت له قلة قليلة تناوشه ونفر ضئيل يحاربه فنال منه بعض الذي يحب لا كل الذي يحب، أما بقية الجيش فإنها كانت على يقين أنه قتل، وليس هنالك بعد الذي كان ما يدعو إلى حرب شاملة، أو معركة حامية، فلما تبين لهم بعد الانصراف من الميدان أن محمداً - صلى الله عليه وسلم - لا يزال على قيد الحياة ندموا أشد الندم أنهم لم يتخلصوا منه، ولم يقضوا عليه القضاء الأخير، ولذلك كثرت دراستهم لهذا الموقف وحطوا رحالهم وهم في طريقهم إلى مكة دون أن يتريثوا وأجمعوا الرأي على أن يأخذوا طريقهم إلى يثرب لتأديب محمد ومن معه بعمل حاسم يحملهم على ألا يفكروا في الوقوف في وجه أهل مكة أثناء مرورهم بالتجارة من الشام أو إليها.