وكان من طريف أمر الإسلام أن جاء النبي - صَلَّى اللَّهُ عليّه وسَلَّم - شاعر هو "أبو عزة عمرو بن عبد الله بن عمير الجمحي"، وقال: لي خمس بنات ليّسَ لَهُنَّ شيء فَتَصَدَّق بي عليّهن ولك عليَّ ألّا أُقاتِلَك أو أعين عليك فَلَمّا أطلق سراحه نكث عهده وأخلف وعده وخرج لحَربه وحرب المسلمين في (أُحُدٍ)، فوقع في أيدي المسلمين وانتهى أمره بالقتل.
وكان الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيّهِ وسَلَّم - قد أبدى رغبة شديدة في التَرَفُّق بمن كانت لهم مواقف نبيلة سابقاً مع المسلمين قبل الهجرة وبخاصة إن كانوا من "بني هاشم"، الذي ساعدوه ووقفوا إلى جانبه مدى ثلاثة عشر عاماً بمكة قبل الهجرة، وكان في هؤلاء الذين أوصى - الرسول - صَلَّى اللَّهُ عليّه وسَلَّم - بهم ولم يرغب في قتلهم عمه "العبّاس"، إلّا أنَّ حُذَيْفة - أو أبا حُذَيْفة - لما بلغه أنَّ النبي - صَلَّى اللَّهُ عليّهِ وسَلَّم - يؤَكِّد الوصية بِعَمِّه - وكانَ في القتلى أبوه "عتبة بن ربيعة"، وعمّه (شيبة) وأخوه (الوليد) قال: أَيُقتَل أهلونا وينجو العبّاس؟
وهنالك تغيَّر وجه النبي - صَلّى الله عليه وسلم - لهذا القول ولم يَسَعَه إلّا أن يشكو لِعُمَر قولة حُذَيْفة فقال عمر: "لقد نافق حُذَيْفة دعني أقتله" وكان حُذَيْفة يقول: شككت في نفسي ورجوت أن أستشهد في سبيل الله لِأُكَفِّر عن هذه الكلمة ومات - رضيَ الله عنه - في حرب اليمامة في خلافة "أبي بكر" وحُذَيْفة هذا هو الذي بدا عليّه الغضب حين بلغه مقتل أبيه عتبة فقال له النبي - صَلَّى الله عليه وسلم -: (هل آلمك مقتل أبيك) فقال: "لا ولكنّي كنت أرجو فيه رجاحة عقل وبُعد نظر
وحسن تفكير أن يكون له ميل إلى رسول الله وحب في دينه واستجابة لدعوته ووقوف إلى جانبه وذود عن شريعته لكنه آثر سبيل الكفر وطريق الغواية ودخل جهنم من أوسع أبوابها".