ولما نزل المسلمون للتجمع الذي يسبق الهجوم كانوا بادئ ذي بدء بعيدا عن الماء الذي يسمى بدراً فناقش بعض المسلمين النبي - صلى الله عليه وسلم -: أهذا النزول بعيدا عن الماء وحي أوحى به الله إليك لا تنحرف عنه ولا تستطيع أن تخالفه، أم هي المكيدة والخدعة والسياسة والحنكة والحزم التي تتطلبها الحرب؟ فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: لم يكن ذلك وحياً ولكنه الاجتهاد والرأي، فقال له الحباب بن المنذر: السياسة والحزم أن نضع أيدينا على ناصية بدر نستقي منها وتشرب دوابنا ونحول بينها وبين المشركين، ويكون ذلك تضييقا عليهم وحربا لهم، وهنالك استراح النبي - صلى الله عليه وسلم - لهذا الرأي واستراح له المسلمون وبنوا حوضا على فم البئر لتسعفهم بالماء حتى لا يعوقهم الاحتياج منها، وبينما هم يمرحون ويقصفون ابتهاجا بهذا الموقع الاستراتيجي، الذي اتخذوه إذ اندفع الأسود بن عبد الأسد المخزومي من بين صفوف قريش يريد هدم الحوض الذي بناه المسلمون، وهنالك يضربه حمزة بن عبد المطلب ضربة في ساقه فيسقط ودمه يشخب، ويدعو ذلك عتبة بن ربيعة أن يخرج من بين الصفوف ليطلب مبارزة المسلمين، ولما تقدم له بعض الشبان الذي كانت الحمية تغلي في عروقهم امتنع أن ينازله ونادى بأعلى صوته: "يا محمد أخرج لنا أكفاءنا من المقاتلين"، وكان عتبة يحيط به أخوه شيبة وابنه الوليد فتصدي حمزة لشيبة فقتله وتصدي علي للوليد فقتله، وتصدي عبيدة بن الحارث لعتبة وانتهى بالإجهاز عليه، وبذلك كانت قريش قد خسرت ثلاثة من أعز أبطالها وخيرة فرسانها فلم تجد بدا من أن تلقي بكل ثقلها في المعركة وتعطي للحرب حظها من الاهتمام، فتزاحف الناس والتقى الجيشان صبيحة الجمعة لسبعة عشر من رمضان، والنبي - صلى الله عليه وسلم - على رأس المسلمين ينظم صفوفهم ويحدد مواقفهم ويملأ نفوسهم إيماناً بالله وثقة بنصره، وتمكينا لدينه، ورفعا لرايته، وإعزازا لمن يقفون إلى جانب نبيه، قائلاً:
من فيض الرسالة · الصفحة ١١١
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
من فيض الرسالةص ١١١
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي