أما ما كان من أمر "بني النضير" فهو لا يعدو أن يكون صورة - كذلك - من صور الخداع واللؤم والمكيدة والغدر والذلة والضعف، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب إليهم يستعين بهم على دفع دية قتيلين قتلهما أحد المسلمين بطريق الخطأ، وكان القتيلان من حلفائهما وحلفائه - بني عامر - وقد أظهروا الاستعداد كل الاستعداد لتحقيق طلبه في دفع ديّة القتيلين، لكنهم أخذوا يسوفون ويروحون ويجيئون ليدبروا أمر قتله بحجر يُلقيه أحدهم فوق رأسه من سطح المنزل الذي يستند إلى جواره، إلا أن الله أخبره بما يُدبرون له، فتسلل من مكانه دون أن يحس به أحد، ثم أخذ سمته إلى المدينة ولما طال غيابه لحق به أصحابه
وهم لا يعرفون من أمر تسلله شيئاً وكان هذا التصرف منه محل دهشة واستغراب حملهم على الإيمان بنفاذ بصيرته صلى الله عليه وسلم، وهنالك أرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - "محمد بن مسلمة" يحمل إنذاره إليهم أن اخرجوا من بلادي، لأنكم نقضتم عهدي، وهممتهم أن تغدروا بي.