هذه القدر، مع مخالفة بعضها لبعض، لا تصلح لخلق الجسم، فكذلك تلك القدرة وجب أن لا تصلح لخلق الجسم».
فنقول: هذا أيضا في غاية السقوط. وبيانه من وجوه:
الأول: لا نسلم أن مخالفة تلك القدرة المفروضة، لهذه القدر، ليست أشد من مخالفة بعضها لبعض. فإن من الجائز أن يقال: إن هذه القدر - وأن كان بعضها يخالف بعضها - إلا أنها متشاركة في أنها لا تصلح لخلق الجسم، أما تلك القدرة المفروضة فهي مخالفة لجملة هذه القدر. من حيث إن تلك القدرة صالحة لخلق الجسم، وجملة هذه القدر، لا تصلح لخلق الجسم. وكانت مخالفة هذه القدرة لجملة هذه القدر، أشد من مخالفة بعض هذه القدر لبعض.
فإن ادعيتم أن الأمر ليس كذلك، فهو عين محل النزاع.
الثاني: سلّمنا أن مخالفة تلك القدرة لهذه القدر، ليست أشد من مخالفة بعض هذه القدر لبعض. إلا أن هذه القدر، لها ماهيات مخصوصة، ولها أيضا: أن بعضها مخالف لبعض.
فعلى هذا: الامتناع ليس هو كون بعضها مخالفا للبعض، حتى يطرد هذا الحكم في جميع القدر، التي يخالف بعضها بعضا. بل علة هذا الامتناع: تلك الماهية المخصوصة. ولما كانت تلك الماهية المخصوصة، غير حاصلة في سائر القدر: سقط ما ذكرتم.
الثالث: إن هذا الكلام يلزم عليه أن يصح على ذات اللَّه تعالى، كل ما يصح على كل الحوادث. فإنه يقال: ذات اللَّه تعالى إما أن تكون مساوية لهذه الذوات، أو تكون مخالفة لها.
فإن كان الأول، وجب أن يصح عليه تعالى كل ما يصح على هذه الحوادث. وإن كان الثاني لم تكن مخالفة ذاته لهذه الذوات، إلا كمخالفة بعض هذه الحوادث. وإن كان الثاني لم تكن مخالفة ذاته لهذه الذوات، إلا كمخالفة بعض هذه الذوات لبعض. فكما أن هذه الذوات مع مخالفة
بعضها لبعض، متشاركة في الحدوث والإمكان والتغير، وجب أن تصح كل هذه الأمور على ذات اللَّه تعالى. ولما كان هذا الكلام باطلا، فكذا ما ذكرتم.