تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وذلك منهي عنه فلما أخبر اللَّه عنهم: أنهم لا يؤمنون، كان القصد إلى تكوينه قصدا إلى تبديل كلامه. وذلك منهي عنه وكان ذلك حاصلا، سواء حاول تكوين الإيمان أو لم يحاول. فثبت: أن الذي علم اللَّه أنه لا يقع، وأخبر أنه لا يقع، كان وقوعه ممتنع الحصول.

فإن قيل: علم اللَّه لا يقلب الجائز ممتنعا. ويدل عليه وجوه عقلية ووجوه سمعية.

أما الوجوه العقلية فعشرة:

الأول: لو كان كذلك، لوجب أن لا يكون اللَّه قادرا على شيء أصلا. لأنه تعالى إن علم في الشيء أنه سيقع، كان واجب الوقوع. وما كان واجب الوقوع لم يكن له في وقوعه حاجة إلى المؤثر، فكان ينبغي أن يستغني وقوعه عن قدرة اللَّه تعالى. فإن علم أنه لا يقع كان ممتنع الوقوع، والممتنع لا قدرة عليه. فثبت: أن العلم لو اقتضى انقلاب الجائز واجبا أو ممتنعا، لزم نفي قدرة اللَّه تعالى. وذلك محال.

الثاني: إن العلم يتعلق بالمعلوم على ما هو عليه. فإن كان ممكنا، علمه ممكنا وإن كان واجبا. ولا شك أن الإيمان والكفر، بالنظر إلى ذاته من باب الممكنات. ولو صار واجب الوجود، لصار العلم مؤثرا في المعلوم. وقد بينا أنه محال.

الثالث: لو كان العلم والخبر مانعا، لما كان العبد قادرا على شيء أصلا. لأن الذي علم اللَّه وقوعه كان واجب الوقوع. والواجب لا قدرة عليه، والذي علم عدمه كان ممتنع الوقوع، والممتنع لا قدرة عليه. فوجب أن لا يكون العبد قادرا على شيء أصلا، فكانت حركاته وسكناته، جارية مجرى حركات الجمادات، ومجرى الحركات الاضطرارية للحيوانات. لكنا بالبديهة نعلم فساد ذلك. فإن من رمى إنسانا بالآجرة حتى شجه. فإنه يذم الرامي، ولا تذم الآجرة، ويدرك بالبديهة تفرقة بين ما إذا سقطت الآجرة عليه، وبين ما إذا لكمه إنسان بالاختيار. ولذلك فإن العقلاء ببدائه عقولهم، يدركون الفرق بين مدح المحسن وذم المسيء، ويلتمسون ويأمرون ويعاتبون، ويقولون: لم فعلت؟ ولم تركت

فدل ذلك على أن العلم والخبر غير مانعين من الفعل.

القضاء والقدر · الصفحة ٥٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

القضاء والقدرص ٥٩