تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

آدم، بل اللَّه خلقهم ليكونوا في أول الأمر في الأرض. قال تعالى: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (1).

الخامس: إن آدم عليه السلام احتج بما ليس بحجة. إذ لو قلنا: إن اللَّه لما كتب عليه ذلك، كان ذلك حجة لآدم. وقد كتب اللَّه الكفر أيضا على فرعون، وهامان، وسائر الكفار.

فوجب أن يكونوا معذورين فيه. ولما بطل ذلك، علمنا فساد هذه الحجة.

السادس: إن الخبر اشتمل على أن رسول اللَّه عليه السلام: صوّب آدم في هذا الاستدلال. فلما ثبت أن هذا الدليل خطأ، لزم أن يكون تصويب النبي عليه السلام، لآدم عليه السلام. في هذا الاستدلال: خطأ.

السابع: إن الدلائل العقلية قامت على فساد القول بالجبر، والقرآن من أوله إلى آخره ناطق بفساد الجبر. وخبر الواحد إذا ورد على خلاف العقل، وخلاف القرآن: وجب تأويله، إن قبل التأويل، ورده إن لم يقبل التأويل. وهذا الخبر يقبل التأويل من وجوه:

الأول: لعله صلى اللَّه عليه وسلم كان قد حكى هذا الكلام عن اليهود، إلا أن الراوي حين دخل، ما سمع تلك الحكاية، بل سمع هذا القدر، فظن أنه صلى اللَّه عليه وسلم إنما حكاه عن نفسه، وعن مذهبه.

الثاني: لعله عليه السلام قال: «فحجّ آدم موسى» - بنصب آدم - أي أن موسى غلبه وجعله محجوجا، وأن الذي ذكره آدم ليس بحجة ولا بعذر. وقد بينا: أنه لو كان ذلك عذرا، لوجب أن يكون كل الكفار معذورين. وذكرنا أيضا: أن وقوع التفاوت في الإعراب،

الثالث: وهو الوجه الأقوى أنه ليس المراد من هذه المناظرة: الذم على المعصية، ولا الاعتذار منه بعلم اللَّه. بل موسى صلى اللَّه عليه وسلم سأله عن السبب الحامل له على تلك الزلة، حتى خرج بسببها من الجنة. فقال آدم صلى اللَّه عليه وسلم: إن خروجي من الجنة، ما كان بسبب تلك الزلة، بل كان بسبب أن اللَّه كان قد كتب عليّ أني أخرج إلى الأرض، وأكون خليفة فيها. وهذا المعنى كان مكتوبا في التوراة، فلا جرم كانت حجة آدم قوية، وصار موسى عليه السلام في ذلك كالمغلوب.

(1) سورة البقرة الآية (30).

القضاء والقدر · الصفحة ٢٠٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

القضاء والقدرص ٢٠٤