تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أزل حسد الحساد عنّي بكبتهم ... فأنت الذي صيرتهم ليس حسدا (1)

ثم الذي يدل على أنه لا بد من المصير إلى هذه التأويلات: جميع الآيات الدالة على أنه

تعالى ينصر الأنبياء والرسل. قال - تعالى -: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ: بِالْهُدى، وَدِينِ الْحَقِّ؛ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ. وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (2) وقال: وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً (3) فكيف يليق بمثل هذا الإعزاز، أن يلقي عداوته في قلوب الناس؟.

والجواب: أما تفسير لفظ الجعل بالحكم والتسمية. فقد ذكرنا أنه خلاف الظاهر.

وأيضا: لو سلمنا ذلك. إلا أن اللَّه تعالى لما كان قد حكم به في اللوح المحفوظ، كان حصوله واجبا، وتركه ممتنعا. لما بينا أن تركه يقتضي انقلاب خبر اللَّه، الصدق: كذبا. وإنه محال. وأما الذي ذكروه في الوجه الثاني فضعيف جدا. وذلك لأن تخصيص الرسل بتلك الكرامات وتلك الفضائل لا يوجب حصول العداوة. ألا ترى أن تلك الفضائل هي التي صارت أسبابا قوية لحصول المحبة الشديدة في قلوب الأولياء. ولو كان حصول تلك الفضائل، موجبا لحصول العداوة، لكان السبب الواحد موجبا حصول ضدين. وهو محال. بل الحق: أن ذلك لا يوجب، لا حصول المحبة، ولا حصول العداوة. وأن الموجب لحصول المحبة: إلقاء دواعي المحبة في القلوب، والموجب لحصول العداوة: إلقاء دواعي العداوة في القلوب. وعلى هذا التقدير يكون الكل من اللَّه. وعند استحضار مسألة الداعي على الوجه الذي لخصناه، يظهر أن ظاهر قوله تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ متأكدا بهذا البرهان العقلي القاطع، الذي لا يقدر أحد على التشكيك فيه بوجه من الوجوه. وباللَّه التوفيق.

(1) ديوان المتنبي.

(2) سورة الصف الآية (9).

(3) سورة الفتح الآية (3).

القضاء والقدر · الصفحة ١٥٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

القضاء والقدرص ١٥٨