وثالثها: الإقدار على الشيء، والتمكين منه. يقال: جعل فلان أميرا وقاضيا. إذا نصب لذلك. قال تعالى: إِنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِماماً (1) وقال: وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً (2) والمراد منه:
النصب لذلك الأمر، والتعيين له.
إذا ثبت هذا فنقول: لم لا يجوز أن يكون المراد من قوله: رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ:
أحد هذه الوجوه؟ أما الحكم والتسمية فظاهر.
ولا يقال: هذا باطل من وجهين: الأول: إن كل مسلم فإنه يستحق أن يسمى مسلما.
فأي فائدة في طلب ذلك من اللَّه تعالى؟ الثاني: إن المسلمين يصفون المسلمين بالإسلام. وعلى هذا التقدير لا يبقى بين الجعل الصادر من اللَّه تعالى، وبين الجعل الصادر من كل أحد من آحاد المسلمين فرق.
لأنا نجيب عن الأول: بأن الإسلام أعظم الخصال الحميدة، فإذا وصف اللَّه عبدا بذلك، كان ذلك أشرف المناصب وأعلاها. فلا جرم يحسن طلبه من اللَّه تعالى. ونظيره:
ما حكى اللَّه في قوله: وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (3).
وعن الثاني: إن اللَّه تعالى إذا وصف عبدا بخصلة شريفة، كان ذلك يوجب من التعظيم والتقديم ما لا يوجبه وصف كل الخلق له بتلك الخصلة. ألا ترى أن الملك العظيم إذا وصف إنسانا ببعض صفات المدح والثناء، كان ذلك أبلغ في التعظيم مما إذا وصفه بعض الأرذال بذلك. فكذا هاهنا. ثم نقول: وأيضا: يمكن حمل قوله: رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ على أن يكون المطلوب تنزيلهما منزلة المسلمين في المدح والتعظيم، أو في تكثير الألطاف في الدنيا، أو في تكثير الثواب في الآخرة. والمسلم إن كان يستحق كل ذلك على اللَّه تعالى، إلا أنه لا يبعد أن يقال: إنه متى سأل اللَّه تعالى ذلك، فإنه لأجل ذلك السؤال يستحق مزيدا في هذه الأمور.
(1) سورة البقرة الآية (124).
(2) سورة الأنبياء الآية (73).
(3) سورة الشعراء الآية (84).