تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اعلم أن صيغة جعل (1)، قد تجيء متعدية إلى مفعول واحد، ويكون معناها: الإحداث والتكوين. قال تعالى: وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ (2) وقد تجيء متعدية إلى مفعولين ويكون معناها: جعل الذات موصوفة بصفة. قال تعالى: وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (3) وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ (4).

إذا عرفت هذه المقدمة، فلنذكر الدلائل:

الحجة الأولى: قوله تعالى: رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ (5) وهذا تصريح بأن العبد لا يصير مسلما، إلا بأن يجعله اللَّه مسلما. وذلك يدل على أن الإسلام يحصل بخلق اللَّه.

فإن قيل: كما أن الجعل يرد بمعنى التصيير، فكذلك يرد لوجوه أخرى:

أولها: وصف الشيء بالشيء. قال تعالى: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمن

إِناثاً (6) وقال: وَجَعَلُوا لِلّاهِ شُرَكاءَ: الْجِنَّ (7).

وثانيها: تنزيل الشيء منزلة غيره. قال تعالى: أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ، كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ، أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجّارِ؟ (8) والتقدير: هل ننزل المصلحين منزلة المفسدين؟ وكقول القائل إذا نزله منزلة العدو: إنك جعلتني عدوا لنفسك.

(1) قال في مفردات الراغب الأصفهاني ص (94): «جعل لفظ عام في الأفعال كلها هو أعم من فعل وصنع وسائر أخواتها ويتصرف على خمسة أوجه:

الأول: يجري مجرى صار وطفق فلا يتعدى. نحو جعل زيد يقول كذا ...

الثاني: يجري مجرى أوجد فيتعدّى إلى مفعول واحد نحو قوله عزّ وجلّ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ

والثالث: في إيجاد شيء من شيء وتكوينه منه نحو جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً.

والرابع: في تصيير الشيء على حالة دون حالة نحو اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وقوله جَعَلَ لَكُمْ مِمّا خَلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وقوله تعالى إِنّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا.

والخامس: الحكم بالشيء على الشيء حقا كان أو باطلا. فأما الحث فنحو قوله تعالى إِنّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ وأما الباطل فنحو قوله عزّ وجلّ: وَجَعَلُوا لِلّاهِ مِمّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً وَيَجْعَلُونَ لِلّاهِ الْبَناتِ اَلَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ».

(2) سورة الأنعام الآية (1).

(3) سورة مريم الآية (30).

(4) سورة البقرة الآية (128).

(5) سورة البقرة الآية (128).

(6) سورة الزخرف الآية (19).

(7) سورة الأنعام الآية (100).

(8) سورة ص الآية (28).

القضاء والقدر · الصفحة ١٥٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

القضاء والقدرص ١٥٠