وتمام تقرير هذا الكلام هو الذي سبق ذكره في البرهان الأول. إلا أن هذا الوجه في الحقيقة غير مختص بالتصديقات النظرية، بل هو عام في كيفية المكتسبات. علم من علم يتقدمه، سواء كان ذلك العلم، علما تصوريا أو تصديقيا.
والوجه الثاني في بيان أن شيئا من التصديقات غير مكتسب: هو أن نقول: لا شك أن تلك التصديقات الكسبية، لا يمكن إيقاعها إلا في تصورات حاضرة في الذهن. فنقول: عند حضور تلك التصورات، إما أن يكون ذلك التصديق ضروريا، أو لازما، أو لا يكون كذلك.
فإن كان حصول ذلك التصديق عند حضور تلك التصورات لازما أو ضروريا، لم يكن للعبد قدرة عليه، ولا اختيار له فيه. لأن تلك التصورات لا قدرة للعبد عليها ألبتة. وعند حضورها تكون مستلزمة لذلك التصديق استلزاما لا قدرة للعبد عليه. فعلى هذا التقدير، امتنع أن يكون ذلك التصديق واقعا بكسب العبد وباختياره. وأما إن كان حصول التصديق عند حصول تلك التصورات غير ضروري ولا لازم، فحينئذ لم يكن ذلك التصديق علما ولا يقينا، بل هو اعتقاد تقليدي، أتى به الإنسان من غير موجب. وهو أيضا محال. ومتى حاول الإنسان تشكيك نفسه فيه، أمكن ذلك وقبل هذا لا يكون علما ولا يقينا. فثبت بما ذكرنا: أن العلوم إما تصورات وإما تصديقات. وثبت: أن كل واحد منهما خارج عن قدرة العبد وعن وسعه. فثبت: أن المعارف والعلوم خارجة عن قدرة البشر، وأن حصولها ليس إلا بخلق اللَّه سبحانه (1).
البرهان الثالث على أن العبد لا يقدر على خلق العلوم
هو: أن العبد إذا حاول إحداث العلم، إما ابتداء وإما بواسطة شيء آخر. فإما أن يحاول إحداث مطلق العلم، وإما أن يحاول إحداث العلم بكذا على التعيين. فإن حاول
إحداث مطلق العلم، لم يكن بأن يحصل هذا العلم، أولى بأن يحصل ذلك العلم. لأن ماهية العلم جنس تحته أنواع كثيرة. وهي العلم بهذا المعلوم، والعلم بهذا المعلوم الآخر. والطبيعة الجنسية بالنسبة إلى جميع الأنواع البشرية على السوية. فلم تكن الطبيعة الجنسية ناقصة باقتضاء بعض
(1) قال الرازي في «التفسير الكبير»: احتج أصحابنا بقوله تعالى (لا علم لنا إلا ما علمتنا) على أن المعارف مخلوقة للَّه تعالى. وقالت المعتزلة المراد أنه لا علم لنا إلا من جهته إما بالتعليم وإما بنصب الدلالة» ((209) / (2)).