(إنما أنا بشر، وإنه يأتيني الخصم، فلعل بعضهم أن يكون أبلغ من بعض فأحسب أنه صادق فأقضي له، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هى قطعة من النار، فليحملها أو يذرها) رواه البخاري ومسلم.
فها هو صلى الله عليه وسلم يعلن صادقاً أنه عرضة لأن يؤثّر فيه منطق أحد الخصمين، فيقضي له ظناً منه بأنه هو صاحب الحق، وهو على غير ذلك.
وقد ثبت في الآثار أنه صلى الله عليه وسلم كان يعلم، أحياناً، مايدور في قلوب أصحابه وكثيراً من الأحوال الغائبة عن مجالي السمع والبصر، ولكن هذه القدرة لم تكن قدرة مطلقة؛ لأن إطلاقها لا يكون إلا مع الله تعالى.
أي أن الله تعالى جعله مشتملاً على فعاليتين:
* فعالية القدرة الإلهية التي توفرت له، لسموّ حالة العبودية لديه، فكان يعلم أحياناً بعض ما في الصدور، وما كان غائباً عن الحواس.
* فعالية الحالة البشرية التي يشير إليها ذلك الحديث، وهى الفاعلية القابلة لأن تؤثّر فيها قوانين الحالة البشرية. وقد قدَّر جل شأنه لعبده ورسوله هذه المساحة البشرية، حفظاً لكرامته البشرية ﴿إنما أنا بشر﴾.
ثالثاً: أوَّل العابدين
قال تعالى:
(قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ) (1)
إن صح أن للرحمن ولد ببرهان ﴿فأنا أول العابدين﴾:
* أنا أول من يعظّم ذلك الولد، وأسبقكم إلى طاعته والانقياد له، كما يعظّم الرجل ولد الملك؛ لتعظيم أبيه.
* أو أن هذا الكلام وارد على سبيل الفرض، والمراد نفي الولد، وذلك أنه علق العبادة بكينونة الولد، وهى محال في نفسها، فكان المعلق بها محالاً مثلها ونظيره قول سعيد بن جبير للحجاج حين قال له:
والله لأبدلنّك ناراً تلظّى.
(1) - الزخرف: الآية 81.