تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

التشريع للعباد. وما ذلك إلا لأن ذاته صلى الله عليه وسلم تعبّدت وتذلّلت من كل التواءات االحالة البشرية، فغدت مناراً تنطلق عبره فاعلية نور الله تعالى وقدرته، ليس من باب العبودية التي تنعدم معها كل سمات الاستقلالية، بل من باب الحديث القدسي:

(عبدي أطعني تكن مثلي تقول للشئ كن فيكون).

فرسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر العالمين طاعة لله تعالى، فكان بذلك أكثرهم استحقاقاً لأن يكون الخليفة الأعظم لله، وهو ما يوجب له أن يكون مستقلاً بأمر طاعة بعد الأمر بطاعته هو سبحانه.

2 - وقال تعالى مخاطباً عبده ورسوله

(قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً) (1)

(إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ)

أسلوب قصر أداته ﴿إنما﴾ نفى فيه جل شأنه عن رسوله كل كينونة سوى الكينونة البشرية، فهو ليس ملكاً ولا إلهاً ولا ابن إله مثلما يقول النصارى في عيسى عليه السلام، إنما هو بشر يأكل ويشرب وينام ويتزوج النساء، وجاءت كلمة ﴿مثلكم﴾ لتأكيد هذه الكينونة، أي أنا بشر من ذات الطينة التي أنتم منها.

فإذا كان محمد ﴿عبد الله ورسوله﴾ يملك قدراً من الفاعليات التي تتجاوز إطار القدرات البشرية إلى إطار قدرة الله تعالى، فما ذلك إلا لأنه عبدالله الخاضع المتذلل لربه، ولو أنه كان من ذات الله لما جاز وصفه بالخضوع والتذلل؛ لأنه سبحانه لا يكون كذلك، فاقتضى الحال أن تكون ذات رسول الله صلى الله عليه وسلم تحمل قدراً من الاستقلالية عن ذات الله يسوّغ لها أن توصف بالعبودية له سبحانه، ولكنه استقلال محدود ومحكوم بأمر الله تعالى.

وقد وثّق صلى الله عليه وسلم هذه الحالة البشرية لديه بقوله للخصمين الذين جاءا ليقضي بينهما:

(1) - الكهف: الآية 110.

عبد الله · الصفحة ٨٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

عبد اللهص ٨٢