تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثانياً: الإستقلالَّية

في حالة التعبد التي أشرنا إليها من قبل استندنا في البيان على توحُّد فعل الطاعة وعطف ﴿رسوله﴾ على لفظ الجلالة ﴿الله﴾. أما في هذا الباب فإن الأمر مختلف، ومستند هذا الاختلاف أن فعل الطاعة لم يأت واحداً، بل جاء متعدداً، أحدهما لله تعالى، والثاني خاص بعبده ورسوله. وفيما يلي بيان لذلك:

1 - قال تعالى:

(يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ... ) (1)

لم يجعل الله تعالى طاعته وطاعة رسوله واحدة مثلما رأينا في الشواهد السابقة، بل جعلهما طاعتين، فكانت له سبحانه طاعة ولرسوله أخرى. وفي ظل التسليم المطلق بمضمون قوله صلى الله عليه وسلم:

(لا طاعة للمخلوق في معصية الخالق) رواه الإمام أحمد.

فإن التوجه بالطاعة لا يكون إلا لله تعالى، فإذا وافق حكم البشر حكم الله تعالى فإنهم مطاعون، وإذا لم يوافقوا حكم الله، فلا طاعة لهم ولذلك جاءت ﴿أولى الأمر﴾ خلواً من فعل الطاعة إشارة إلى أنهم لا يملكون طاعة مستقلة بهم، وأن طاعتهم واجبة حال كون أحكامهم موافقة لأحكام الله تعالى.

أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد اقترن به فعل خاص ﴿وأطيعوا الرسول﴾ إشارة إلى أنه ليس كغيره من البشر، فهو أول العابدين وخاتم النبيين وأقرب خلق الله إليه سبحانه، فكانت فاعلياته، تبعاً لهذه الحالة، فاعليات ربانية لا يأتيها الباطل من يديها ولا من خلفها، فإذا قضى أمراً فإنما هو قضاء الله تعالى وبذلك يتشابه هذا الوجه مع ما ذكرناه سابقاً في محور التعبد ولكنه يفترق عنه في أن الله تعالى ذكر فعل الطاعة لرسوله مستقلاً عما ذكره لنفسه، وفي ذلك توثيق رسمي لاستقلالية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو ليس ملكاً من الملائكة لا يفعل شيئاً من تلقاء نفسه، بل هو بشر جعل الله تعالى له مساحة من النظر الآدمي، وقدّر أن يكون ذلك النظر جزءاً من منظومة

(1) - النساء: الآية 59.

عبد الله · الصفحة ٨١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

عبد اللهص ٨١