تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نظام المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار: دروس وعبر

أنوار حسين الأزهري

لمحة مع الهجرة:

لقي المسلمون في سبيل الحق والإيمان صنوف الأذى وأنواع البلاء وألوانا من النكال والعذاب طيلة لبثهم بمطلع نور الإسلام، وقاسوا شقاء طويلا وعناء بالغا وكبدا مضنيا، حتى أذن لهم بالهجرة إلى بلد سبقهم إليه الإيمان ومهد لأهله سبل الإقامة والعيش في طمأنينة وأمان.

فغادر المؤمنون القطر المائج بالشرك والكفر، والهائج بالإلحاد والشر إلى دار الإيمان والتوحيد والحق والصدق. وقد تأخر الرسول صلي الله عليه وسلم في الهجرة وأخر معه أبا بكر رضي الله عنه حتى أذن الله لنبيه بالهجرة، فهاجر ومعه أبو بكر، وقد ارتحل قبلهما جل القادرين على الهجرة.

وحيث وصل النبي صلي الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة بدأ يكوّن مجتمعا جديدا، مجتمعا إسلاميا يختلف تماما عما حوله من المجتمعات في كل ناحية من نواحي البشرية، ويمتاز عنها بمزايا وخصائص حميدة ويكون ممثلا للدعوة الإسلامية، ويصبح مركزا يشع منه شعاع الهداية والرشاد وينبثق ضياء الحق والصدق إلى أنحاء المعمورة وأرجائها، وأقام هذا المجتمع الأنف على ثلاث نوىً عميقة الجذورمتينة العروق وهي:

1.صلة المسلمين بربهم.

2. صلتهم بعضهم مع بعض.

3. صلتهم مع غير المسلمين. (1)

النواة الأولى تتجلى في بناء المسجد، والنواة الثانية تتمثل في نظام المؤاخاة، والنواة الثالثة في كتابة الوثيقة. وسيبقى كلامنا محصورا في النواة الثانية التي هي تناصى موضوعنا وتنشب فيها.

نظام المؤاخاة: استفاضت الأخبار بأن النبي صلي الله عليه وسلم أنجز مشروع نظام المؤاخاة عقب قدومه المدينة حيث آخي بين كل مهاجر وأنصاري اثنين، اثنين، وكانوا تسعين رجلا نصفهم من المهاجرين ونصفهم من الأنصار. (2)

والمكان الرئيسي الذي أعلن فيها هذا التشريع وأذيع منه نبأه هو دار أنس بن مالك رضي الله عنه. (3)

وذكر محمد بن إسحاق رحمه الله المؤاخاة، فقال: وآخي رسول الله صلي الله عليه وسلم بين أصحابه من المهاجرين والأنصار، فقال - فيما بلغنا ونعوذ بالله أن نقول ما لم يقل: "تآخوا في الله أخوين، أخوين" (4)

تاريخ التشريع:

تناثرت الأقوال في تحديد ساعة تشريع نظام المؤاخاة، فقيل بعد الهجرة بخمسة أشهر، وقيل: تسعة، وقيل: حين بناء المسجد، وقيل: قبل بنائه، وقيل: بسنة وثلاثة أشهر قبل بدر. (5) ولا يخفى على المتأمل في الظروف المحيطة بالمهاجرين عن ديارهم وأوطانهم وأهاليهم وأقاربهم وأموالهم وممتلكاتهم أن هؤلاء يفتقرون إلى حل سريع ونظام يوفر لهم ما لابد منه للبقاء والاستقرار قبل أن يستفحل الخطب. ولا ينبغي أن يتركوا شأنهم دون تنظيم أمورهم وتلبية حاجاتهم حتى يختلط الحابل بالنابل. وذلك ما يقتضى ويؤيد أن يكون نظام المؤاخاة عقب الهجرة مباشرة.

ما يعني هذا الإخاء وتطوره:

وهذا الإخاء المنعقد بين المهاجرين والأنصار يعني: تثبيت العلاقة وتوطيدها بين الطرفين، والأذان بذوبان الأواصر والفوارق النسبية واللونية والقومية حتى يتم التعاون والمؤاساة والترافد والمؤازرة على أكمل الوجوه وأروع الأمثال وأبدع الصور وبيسر وبسخاوة النفس وسماحتها.

يقول الشيخ محمد الغزالي: ومعنى هذا الإخاء: أن تذوب عصبيات الجاهلية، فلا حمية للإسلام وأن تسقط فوارق النسب واللون والوطن، فلا يتقدم أحد أو يتأخر إلا بمروعته وتقواه. وقد جعل الرسول هذه الأخوة عقدا نافذا لا لفظا فارغا، وعملا يرتبط بالدماء والأموال، لا تحية تثرثر بها الألسنة ولا يقوم لها أثر. وكانت عواطف الإيثار والمؤاساة والمؤانسة تمتزج في هذه الأخوة وتملأ المجتمع الجديد بأروع الأمثال. (6)

فقد انتهض وقام الجانبان حقا من نوادر الحب والتفاني والإخلاص والصفاء بما يثير الدهشة.

عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فَآخَى النَّبِيُّ صلي الله عليه وسلم بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِيِّ ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يُنَاصِفَهُ أَهْلَهُ وَمَالَهُ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بَارَكَ اللهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ ، دُلَّنِي عَلَى السُّوقِ. فَرَبِحَ شَيْئًا مِنْ أَقِطٍ وَسَمْنٍ، فَرَآهُ النَّبِيُّ صلي الله عليه وسلم بَعْدَ أَيَّامٍ وَعَلَيْهِ وَضَرٌ مِنْ صُفْرَةٍ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلي الله عليه وسلم: «مَهْيَمْ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ». قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ. قَالَ: «فَمَا سُقْتَ فِيهَا». فَقَالَ وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ. فَقَالَ النَّبِيُّ صلي الله عليه وسلم: «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ». (7)

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَتْ الْأَنْصَارُ اقْسِمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ النَّخْلَ. قَالَ: لَا. قَالَ: يَكْفُونَنَا الْمَئُونَةَ وَيُشْرِكُونَنَا فِي التَّمْرِ. قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا. (8)

(1) فقه السيرة ص:19

(2) أنساب الأشراف للبلاذري:1/ 318، 319

(3) زاد المعاد في هدي خير العباد:2 /101 وطبقات بن سعد: 1 / 184

(4) سيرة ابن هشام: 2 /531، فتح الباري: 7 /690

(5) فتح الباري: 7 /790

(6) فقه السيرة: 194

(7) صحيح البخاري: 7 /689 ج 3937

(8) صحيح البخاري: 63/3 ج 3782

هذا بلاغ للناس - بلاغ الشرق · الصفحة ١٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

هذا بلاغ للناس - بلاغ الشرقص ١٤