وأمام الواقع المؤلم المحزن لم يجد أبو البراء سوى الانحياز مع الركب المتبقي إلى خوست ليواصل منها إلى رواسي شاهي كوت، ومن هناك تابع رحلة الغربة إلى بيرمل ..
صفاته وأخلاقه:- كان رحمه الله كما حدثني الأخ أسامة الحموي: خادماً لإخوانه، وغالباً ما يصنع لهم الحلوى الشامية " الكنافة " ذا شخصية قوية، رجل يغلب عليه الطابع العسكري، حريصاً على أموال المسلمين، يتميز بطابع الشدة أثناء تدريبه العسكري لإخوانه ... "
وفي خضم تلك الأهوال التي رافقت ذاك الركب المبارك الذي تخلى عنه الجميع، وخذله الكثير إلا قلة من عمالقة أفغانستان نوديَ بالنفير إلى شاهي كوت، بعد أن ترامى إلى مسامع أُسود الشرى تقدم جحافل الصلبان للإطباق على تلك الثلة المتبقية بين الرواسي الشامخة كشموخ نفوسهم ..
وعلى بركة الله انطلق أبوالبراء مع الموكب الذي يحمل آلامه وجراحه ولسان حاله يردد .. ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (آل عمران: 172)
وبعد طول مسير حطّ شهيدنا رحاله بين الشوامخ العوالي، وسرعان ما بدأ الإعداد للملحمة الخالدة التي أنشبت أظفارها بعد الوصول بقليل، وتقابل الزحفان، وراحت السماء تُمطر الأرض بوابل حممها التي تزن الأطنان ... ولم يبق حجر على أخيه إلا واشتكى، وتساقطت أوراق الشجر، وراحت تحكي حكايتها، وتقص على الركبان قصتها .. ، وصمد الليوث صموداً قلما يجود الزمان بمثله .. وهناك ذاق أبناء الجاهلية الأمريكية طعم الموت الزؤوم، وتجندل غرورهم مصروعاً على أيدي رجال وهبوا أنفسهم لبارئهم .. ، وعرف الطاغوت الأمريكي أن للإسلام جنداً يذودون عن حماه ...
وأنا ابن مَن في بدر رد جموعهم ... عرضاً وذلل عزة الصلبان
وبين تلك السفوح تمت البيعة بين العزيز الجبار صاحب العطاء، والعبد الفقير أبي البراء الذي نسأل الله أن يكون قد زُفّ إلى معشوقته الحوراء التي طالما تغنى بذكر محاسنها .. ، وبقيَ الجسد هناك شاهداً تناوشه سباع الغاب وطيور السماء ...
قد كنت طوداً شامخاً وحمى أرَّخت كيف يضمك القبر
ورحلت في الشهر الذي رجوت
بلال المغربي
لطالما حدثتك نفسك بها يا بلال .. ولطالما رددها لسانك شهادة يا ربّ في شهر الصيام والقرآن ... وينقضي الحول وتتبعه الأيام .. وطيف الأماني ما زال يداعب مخيلتك .... وبعد طول انتظار ومحن واصطبار يجود بها العزيز الجبار، وفي الشهر الذي طالما رجوت ودعوت ....
بلال واسمه عبد العزيز بوزلاف، ولد في المغرب وفوق مرابعها نما وحبا ... ولقد أحسن الله به إذ حال بينه وبين ولوج تلك المستنقعات الآسنة التي تسمى بالمدارس الحكومية ... فشبّ بعيداً عن تلك الروائح الكريهة صافي القلب سليم الفطرة ...