تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبعد مسيرة حافلة بالعطاء بدا لشهيدنا أن يكمل مشوار مسيرته المباركة فوق ثرى الحرمين التي دنسها أبناء الصليب وعملاؤهم المرتدون برجسهم لعله ينال فوق ذاك الثرى شهادته التي طالما تمناها .... وما هي إلا أيام حتى أسرّ لي بما يجول في مكامنه، وبدون شعور أجبته قائلاً:- " إن عودتك إلى مسقط رأسك يعني ولوجك ثانية زنازين آل سلول إلا أن يشاء الله أمراً آخر، ولقد سبق وعاينت بنفسك مكر الطاغوت السعودي وخبث زبانيته ولطالما اكتويت بلهيب سياطهم .. " وكان الجواب حاضراً تقرأه من قسمات وجهه .. " لقد عزمت ولا مجال لتراجع ".

وهكذا بدأ مشواره الجديد وراح ينهل من معين الدورات الخاصة ما يمكنه من الإثخان في أبناء التثليث وخدمهم آل سعود .. وبعد عدة أشهر قضاها في معسكرات التدريب بدا له أن يشارك آساد الغاب غزوتهم المباركة " غزوة الوارا " التي شهدت رحيله ونهاية مسيرته المجللة بالعطاء والتضحيات ...

التحق أبو البراء بخطوط القتال وسرعان ما انتدبه الأمير ليكون رامياً على سلاح الدشكا الذي مضى به وعلا رواسي وقمم اللوارا .. وهناك بين الأشجار الكثيفة كمن مع بقية الفريق وراحوا ينتظرون الساعة التي يصلون بها طائرات الصليب بوابل سهامهم ...

إن بارزتك كماة الروم فارمهم ... بسهم عينيك تقتل كل من برزا

وبعد ثلاثة أيام قضاها الليوث بين رواسي لوارا جاء أمر الأمير، وانطلقت القذائف الصاروخية تفجر الأرض براكين تحت أقدام الغزاة، وبالمقابل كان أبو البراء ينتظر فريسته " طائرات الهيلوكبتر " التي بقيت هناك في مرابضها يقيدها الذعر والهلع والخوف ...

أنهى عشاق الشهادة غدوتهم تلك، وسرعان ما قَفِل شهيدنا عائداً مع بقية الركب .. ومع إسدال الظلام أستاره أقبلت طائرة الرجس الصليبي، تحمل بين طياتها المكر والموت والدمار وراحت تحصي على المجاهدين خطواتهم، وتنظر الساعة التي يجتمع فيه الركب المبارك .. وما هي سوى سويعات على انتهاء الغدوة حتى تجمع الفرسان في معقلهم الأخير وفي تلك اللحظة الحزينة المؤلمة استل الصليب شواظاً من لظى، ورمى به تلك العصبة المؤمنة، وأُصيب المهاجر الشرقي في مقتل وتجندل مخضباً بدمائه، وسمت روحه إلى العلياء، وتوارى الجسد في الثرى، وبقيت الأُمنية وديعة عند أبناء الحرمين تنتظر مَن يجسدها واقعاً حياً في عالم الأشخاص ...

قد كنت أسمع أن الشهب ثاقبةً ... حتى رأيت شهاباً وهو مثقوب

شهداء في زمن الغربة .. · الصفحة ٦٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شهداء في زمن الغربة ..ص ٦٢