تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولم يمض سوى بضعة أسابيع على هجرته مراتع الجاهلية حتى دُكت رموز الصليب الأمريكي، وهنا أقبلت جحافل نتن الزمان يقودها حامي الصليب " بوش " وقد راودته أحلام الصليب بالقضاء على منارة الإسلام فوق ربوع خراسان ..

بدأت الحرب الصليبية، وراحت تعزف سيمفونيتها، وانبرى عاشق الشهادة مع غرباء آخر الزمان يذودون بصوارمهم عن حمى الإسلام، ولسان حال الواحد فيهم يردد ..

فإن عشت فالطعن الذي يعرفونه ... وتلك القنا والبيض والضمر الشقر

وإن مت فالإنسان لا بد ميت ... وإن طالت الأيام وانفسح العمر

وفي تلك المعمعة الخالدة أبلى ورثة محمد ? خير البلاء .. وتسابق عشاق الشهادة للجود بأرواحهم، وبعد تضحيات جسام سقطت كابل بأيدي أحلاف الشيطان وأعوان إبليس، وحيل بين عصبته وعصب المجاهدين، واشتبكت تلك الثلة المحاصرة مع جموع الردة، وهناك حيث غاب النصير ..

غريب من الخلان قد ند صحبه ... وأقبل الأعداء واحلولك الليل

قضى الجميع ومضوا إلى ربهم غير ثلاثة من أُسود التوحيد كان من بينهم أبوبكر انحازوا بعد أن نفذت ذخيرتهم .. وفوق بحور من المصاعب سار مركبهم الذي رسى في ميناء غرباء آخر الزمان بعد عشرين يوماً من الضياع.

صفاته وأخلاقه:- حدثني الشيخ أبوالليث الليبي عنه قائلاً:- " كان رحمه الله متقناً للفروسية قوي البنية أسمر اللون كثير البكاء عاشقاً لخدمة إخوانه من غير تضجر، لا يمكن أن ترى أحداً يخدم او يوجد في المطبخ أثناء وجوده، ذا مروءة ونخوة، كثيراً ما يغسل ملابس إخوانه، محباً لحلقات القرآن والذكر بشكل عجيب، حريصاً على تعلم تعاليم دينه .. "

ومع ازدياد الأحوال سوءً، وتخلي الكثير عن المجاهدين واختفاء المعين، بدأت مراكب المهاجرين تُبحر باتجاه باكستان قاصدة الوصول إلى مناطق أكثر أمناً .. ولم يبق من أبناء التوحيد المهاجرين سوى ثلة قليلة أبت الخروج على الرغم من غصص الطريق التي تجرعتها والآلام التي كابدتها .. ومن بين تلك الثلة كان أبوبكر الذي كان يرقب بشغف قدوم مولوده الجديد التي أبصرت نور الحياة ووالدها هناك تأكل غربان الفلا من جسده الطاهر كما تمنى ورغب، وبين تلك الثلة التي آلت على نفسها عدم الرجوع إلى مواطن الذلة، انتشر بيتين من الشعر طالما تغنوا بها ورددتها الألسن ..

يارب لا تجعل حياتي مذمةً ... ولا موتي بين النساء النواحي

ولكن قتيلاً يدرج الطير حوله ... وتأكل غربان الفلا من جوانحي

ووقف المهاجر الغريب حائراً من تلك الأبيات التي لم يستطع أن يفهم مغزاها، خاصةً أنه لم يحظ بقسط وافر من التعليم، ولم يجد سوى ابي الليث ليشرح له مغزى ومقصد تلك الأبيات، وما أن علم مقصدها حتى لم تعد تفارق لسانه، وراح يرددها في كل وقت حتى في أوقات لا ينبغي أن تقال فيه لولعه بها .. وأخيراً ... بدأ الاستعداد لملحمة شاهي كوت، وتتابعت الأيام مسرعة واقتربت ساعة الصفر ولم يبق سوى يوم واحد على ولادة زوجه هناك في المغرب والتي تابع أخبارها أولاً فأولا عبر الهاتف النقال " الستلايت " وجاء أمر الأمير بالتحرك لنزال أحلاف الروم .. وتجهزت السيارة التي سيستقلها أبو بكر الذي سرعان ما بدا على مُحياه علامات الحزن والأسى .. وهنا تفطن أبوالليث وبادره بالسؤال مستفسراً عن كنه الأمر .. وأجاب القلب المفعم بالحزن " لم يبق سوى يومٍ على ولادة الزوجة " وجاء الجواب الذي كان حاضراً على أودية لسان أبي الليث " سبحان الله ... ! يكرمك الله وأنت حيّ فكيف

شهداء في زمن الغربة .. · الصفحة ٥٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شهداء في زمن الغربة ..ص ٥٥