تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في بحرها الرائق المليء بأبهى النفائس .. وما أن أكمل المرحلة الابتدائية حتى حزم حقائبه، ويمم وجهه قاصداً ميرعلي ومدرستها الدينية راغباً في زيادة تحصيله العلمي، وبعد أن أنهى المرحلة الثانية قرر أن يتابع دراسته في المدرسة النظامية بالقرب من ميران شاه ...

والعلم أنفس شيء أنت ذاخره فلا تكن جاهلاً تستورث الندما

تعلم العلم واجلس في مجالسه ... ما خاب قط لبيب جالس العلما

ومع وصول مواكب المهاجرين غرباء آخر الزمان إلى برمل ونزولهم ضيوفاً على أهلها الكرام .. ترك شهيدنا كل شيء وأقبل مع تلك الثلة الطيبة التي آلت على نفسها القيام بأعباء المهاجرين وخدمتهم بالرغم من صغر سنه ..

وبعد بضعة أشهر قضاها أبناء التوحيد ضيوفاً أعزاء على أهالي برمل بدأ الإعداد ليوم الكريهة، وما هي إلا أشهر حتى بدأت الكمائن تنصب في طريق القوافل الصليبية ... وترامى الخبر إلى مسامع الفتى الصغير، وسرعان ما عرض نفسه مجاهداً على إخوانه، ولكنه لم يجد أُذناً صاغية فسنيّ عمره لا تسمح له بركوب أمواج المخاطر والأهوال ومقارعة علوج الأمريكان، ومضى ولسان حاله يردد ...

بصير بأخذ الحمد من كل موضع ... ولو خبأته بين أنيابها الأُسد

ضروب لهام الضاربي الهام في الوغى خفيف إذا ما أثقل الفرس اللبد

انقضت الأيام والليالي مسرعة، والشبل ينتظر ان تبرز مخالبه ليصبح أسداً هصوراً ... وبعد انتظار طويل غدا الشبل هزبراً، وانطلق يزرع الأرض ناراً تحت أقدام الغزاة، فشارك إخوانه العديد من الكمائن الناجحة، ذاق فيها الصليب كأس العلقم ومرارة الحنظل ..

وكعادة أبناء قبائل وزير اقترن شهيدنا في سن مبكرة بسيدة من القوم شاركته مسيرة الآلام والتضحية ورزق منها بغلام قبل رحيله بخمسة أيام ..

صفاته وأخلاقه:- كان رحمه الله كما حدثني الأخ جل رحيم سيفلي: "خادماً لإخوانه تالياً لكتاب الله كريم اليد سخياً .. مقداماً جسوراً، لا تراه إلا في مقدمة الصفوف، وكأن الشجاعة عضوٌ من أعضائه، حريصاً على التوفيق بين إخوانه .. "

وبعد مسيرة مباركة أذن أرحم الراحمين لهذا النجم الساطع أن يغيب سناه .. ففي خضم تصاعد حدة العمليات على قطعان الصليب، وحتى لا يتمتع الغزاة بالأمن والآمان فوق ذرى أفغانستان تحركت ثلة من أبناء التوحيد قاصدين قمم منكرتي وقد عزموا أمرهم على كسر ناب الصليب وتقليم أظفاره ..

وهناك بين سفوح الرواسي كمن شهيدنا مع بقية الليوث، وراحوا ينتظرون العلوج الصليبية لينقضوا عليها ..

إن بارزتك كماة الروم فارمهم ... بسهم عينيك تقتل كل من برزا

وما هي سوى ساعات حتى أقبلت الغنيمة، وما أن وطأت أقدامها منطقة التقتيل حتى صبّ المجاهدون عليها جام غضبهم وتصافح الرصاص، وراح يعزف ألحان الموت ... وفي خضم تلك المعمعة، وقد تصافحت الصفاح أقبلت رصاصات الصليب وراحت تبحث عن صاحبها، وأخيراً حطت رحالها بين أضلع محمد جان ليخرّ الليث المقدام صريعاً يتخبط في نجيعه القاني .. وهكذا طويت صفحة هذا الفارس بعد ان نعته شامخات منكرتي ..

صريع تقاضاه الليالي خشاشة ... يجود به والموت حمر أظافره

شهداء في زمن الغربة .. · الصفحة ٢٦٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شهداء في زمن الغربة ..ص ٢٦٥