تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا هممت بشرب الماء من عطش    إلا رأيت خيالا منك في المائي

النار أبرد من ثلج على كبدي    والسيف ألين بي من هجر مولائي

قال النصر آبادي : طلب العذر في العشق من نقصان العشق ، وإنما العشق الحقيقي ما غلب على صاحبه وألهاه عن الاشتغال إلا بمحبوبه.

وقال بعضهم : لمتنني فيه بغيتني لصرعتن.

وأنشد :

وكنت إذا ما حدث الناسبالهوى    ضحكت وهم يبكون من حسرات

فصرت إلى ما قيل هذا متيم    تلقيتهم بالنوح والعبرات

فلما رأت زليخا عذر النسوة أرادت أن تعرفهن طهارة يوسف عليه السلام فقالت : ( ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ) أي : هو مقدس عن جميع التهم ، وباطنه أحسن من ظاهره ؛ لأن باطنه مطهر عن دنس الشهوة ، وعلة البشرية ، ومراودة النسوة والفحشاء ، معصوم بأنوار النبوة والرسالة ، وأرادت بذلك أن يرينه أكبر مما يرينه ، ثم قالت : ( ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين ): خوف يوسف عليه السلام من البلاء ، وكيف يخاف من يكون في رؤية المبلي ، مؤيدا بعناية أزلية ، معصوما عن معصية ، وقولها في ذلك من استغراقها في الحب والعشق.

وقال بعضهم : ما كان يلحق يوسف عليه السلام من السجن والمحبة ، إنما كان من ترادف البلاء على زليخا ، وهيجان المحبة به.

فربما كان نصيب يوسف عليه السلام من أطراف بلائه شيئا بالسجن والهم ، وغير ذلك وهذا من تمام المحبة وشدة البلاء :

أن أشارك المحبوب محبة في بلائه    وأنشدت ليلى صاحبة مجنون

لم يكن المجنون في حاله    إلا وقد كنت كما كانا

لكنه باح بسر الهوى    وإنني قد قدمت كتمانا

فلما رأى يوسف عليه السلام تملقهن ومكرهن واحتيالهن في دعائهن يوسف عليه السلام إلى طاعة زليخا التجأ إلى الله ، وتضرع بين يديه بقوله : ( قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن ) أي : يا رب البلاء أحب إلى من لذة الوقت ، وشهوة النفس التي تحتجبني عنك ، وعن شهوة الروحاني ، ورؤية آثار الربوبية.

وأيضا : السجن أحب إلى ؛ لأن في السجن مقام الأنس ، والخلوة ، والمناجات ، والمداناة ،

عرائس البيان في حقائق القرآن · الجزء ٢ · الصفحة ١٧١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عرائس البيان في حقائق القرآنج ٢ · ص ١٧١