وقد وصل بنو إسرائيل إلى درجة أبشع من ذلك حين قالوا لموسى : ( لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ) [ البقرة : 55 ] .
وحين مرُّوا على قوم يعبدون الأصنام فقالوا لموسى اجعل لنا إلهاً ( أي صنماً ) نعبده مثل هؤلاء القوم : ( وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ) [ الأعراف : 138 ] .
وحين عبدوا العجل واتخذوه إلهاً : ( فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ ، فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى ) [ طه : 87 ، 88 ] 0
كل هذا ونبيهم بين ظهرانيهم يعلمهم أمر دينهم (1) 0
أما الدرجة القصوى من هذه الغفلة فهى التى تؤدى إلى إنكار وجود الله ألبتة، وسنتحدث عنها حين نتحدث عن الإلحاد 0
3- الهوى والشهوات :
من الأمراض التي تصيب الفطرة كذلك وتوقعها في الشرك غلبة الهوى والشهوات . ذلك أن دين الله المنزَّل يشمل دائماً أحكاماً إلهية يأمر الله البشر أن يلتزموا بها وينفذوها لتستقيم حياتهم وتتوازن : ( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ) [ الحديد : 25 ] .
وحين تكون الفطرة مستقيمة فإنها تتقبَّل ما فرضه الله عليها بالرضا ، وتجتهد في تنفيذه تعبداً لله وطمعاً في رضاه . ولكن حين يغلب عليها الهوى وحب الشهوات فإنها تضيق بما أنزل الله وتحب أن تتبع شهواها . وفي ذلك يقول الله : ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ) [ لقمان : 21 ] .
( فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ) [ مريم : 59 ] .
( فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) [ القصص : 50 ] .
(1) كان موسى قد تركهم أربعين ليلة ليتلقى من ربه الشريعة المنزلة ففعلوا هذا الفعل الشنيع، مع أنه ترك أخاه هارون ليخلفه فى قومه مدة غيابه عنهم 0