الشرع، والبلاد ذات الحكومة الإسلامية على قلتها بعضها شديد التعصب لمذهب
معين، كالبلاد الأفغانية المتعصبة لمذهب الحنفية، وحكومة اليمن المتعصبة لمذهب
الزيدية، فهذان لا يرجى أن يكون فيهما إصلاح إسلامي عام؛ لاستحالة اتباع جميع
المسلمين لهذا المذهب أو ذاك، وبعضها شديد الغلو في العمل مع ضعف في العلم
كبلاد نجد، ولكن لهذه مزية لا نعرفها لبلاد أخرى من بلاد المسلمين في هذا العصر،
وهي أنهم وإن كانوا منتمين إلى مذهب الإمام أحمد، فلا نعرف جماعة من
جماعات الإسلام غيرهم تقبل اتباع كل ما يثبت في الكتاب والسنة وسيرة السلف
الصالح وتدعو إليه، وترد ما خالفه وإن قاله أو كتبه حنبلي مثلهم، ومع هذا يرميهم
كثير من المسلمين بالابتداع والضلال، ومنهم من يكفرهم، كما يرمون بذلك من
يدعو إلى الكتاب والسنة من الأفراد، وأي بلاء أشد على الإسلام من هذا؟ وإذا
قيض الله لهذه البلاد أن يتسع فيها العلم، فإنها تحيي الإسلام في جزيرة العرب،
ومن ثم يتجدد في سائر العالم فيعود الأمر كما بدأ.
قال - صلى الله عليه وسلم -: (بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ
فطوبى للغرباء) رواه مسلم عن أبي هريرة والنسائي عن ابن مسعود وابن ماجه
عنهما وعن أنس. وروى مسلم من حديث ابن عمر مرفوعا: (إن الإسلام بدأ
غريبا وسيعود كما بدأ ويأرز بين المسجدين كما تأرز الحية في جحرها) ، وفسر
الغرباء في حديث آخر مرفوع بقوله: (الذين يصلحون ما أفسد الناس بعدي من
سنتي) رواه الترمذي من حديث عمرو بن عوف المزني، صدق رسول الله -
صلى الله عليه وسلم - فقد عاد الإسلام غريبا كما بدأ حتى صار المسلم الحق
المحيي للسنة غريبا مطعونا في دينه، فإذا قوي هؤلاء الغرباء الذين يحيون ما
أمات الناس من سنته - صلى الله عليه وسلم - واعتزوا بعد ضعفهم الذي هو عليه
اليوم كما كان سلفهم في بدئه، فإن غربته تستتبع المجد والعزة لله ولرسوله
وللمؤمنين آخرا كما استتبعه أولا لاتحاد السبب.
إن العالم الإسلامي ليئن من ضعف دينه وامتهان شعوبه بامتهانه، وإنه ليتبرم
من سوء حال سادته وكبرائه، والمنتحلين لعلم الدين، ومن جهل أكثرهم بما يجب
من الخدمة في هذا العصر، وقعودهم عنها حتى امتهنوا وسقطوا من مكانتهم
الاجتماعية، ولم يبق بأيديهم من مصالح الأمة شيء يعتد به، بل وطنوا أنفسهم في
بعض البلاد على الحرمان منها، ورضوا بعدم مشاركة غيرهم حتى للبحث فيها،
وأنه سيضطر علماء الأزهر وأمثالهم من معممي سائر الأقطار إلى الإصلاح الذي
كانوا يقاومونه، وإنما يضطرهم إلى ذلك باحتقاره لما هم عليه اليوم؛ إذ قرب أن
يزول ما كانوا يعتزون به من اتباع السواد الأعظم من العوام لهم، وتقبيلهم لأيديهم
ومواساتهم بالهدايا والصدقات والوصايا، فبهذا كانوا إذا قام فيهم مصلح كالسيد
الأفغاني الحكيم، والأستاذ الإمام همسوا في آذان هؤلاء العوام: هذا معتزلي، هذا
فيلسوف، هذا كافر يريد أن يفسد عليكم دينكم، فحافظوا على تقاليدكم وموالدكم
واستغاثتكم بأهل القبور الذين يتوسطون لكم عند الله بدفع النقم وحفظ النعم، التي
جعلتكم وراء جميع الأمم.
نعم أوشك أن يزول ذلك، بل زال إلا قليلا , وقد رأينا ما كان من تأثير موت
الأستاذ الإمام وموت غيره من أكابر الشيوخ الذين تولوا منصب الإفتاء مثله وتولوا
ما لم يتول من مشيخة الأزهر، اضطرب القطر المصري واهتز العالم الإسلامي
كله لموت الأستاذ الإمام بأشد مما اضطربت بيوت أولئك الشيوخ لموتهم الذي لا
يكاد يشعر به، وما ذاك إلا لأنهم كانوا يعيشون لأنفسهم وبيوتهم، وكان يعيش
لأمته وملته.
سبقت الهند مصر وسورية والحجاز في إحياء السنة علما وعملا، وقد
تمهدت العقبات أمام مصر، وبدت طلائع الإصلاح في نابتة الأزهر، ولكن الحركة
فيه لا تزال بطيئة، ولا تسرع بها إلا صدمات المعارضة والمقاومة لها، وحينئذ