الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
المتفرنجون والإصلاح الإسلامي
(2)
(قاعدة إصلاح قانون الأحوال الشخصية)
كان من أمر الحكومة المصرية بعد إعلان إنكلترة حمايتها عليها، وإلغائها
منصب القاضي الشرعي الأكبر الذي كان يعين من قبل الدولة العثمانية عليها - أنها
شرعت في أمر كان إنفاذه في أيام ذلك القاضي متعذرا، وهو تأليف لجنة من علماء
الأزهر وبعض المدرسين في مدرسة القضاء الشرعي ومدرسة الحقوق، يرأسها
وزير الحقانية لوضع قانون للأحوال الشخصية الخاصة بأحكام الزواج وما به
كالطلاق والفسخ والعدة والنفقة، تستمد مواده من فقه المذاهب الأربعة المشهورة،
ولا تتقيد بمذهب الحنفية وحده، بل يجعل القانون الذي كان وضعه قدري باشا
الحنفي هو الأصل، ويؤخذ من فقه المذاهب الأخرى ما تراه اللجنة أيسر وأكثر
انطباقا على مصلحة الناس في هذا العصر. وطالما تمنى طلاب الإصلاح في هذا
القطر وغيره مثل هذا التيسير، ولكن ما جرت عليه الحكومة المصرية منتقد من
وجوه أخرى بيناها في مقال لم يتيسر لنا نشره، وقد كاشفنا ببعضها بعض أولي
الشأن، وأهمها جعل الأحكام الشرعية قانونا، وما يترتب على ذلك؛ فالقانون إذا
أطلق في هذا المقام ينصرف في العرف إلى ما يقابل الشرع من الأحكام، ويتوقف
الحكم به على إقرار مجلس الوزراء إياه، وصدور أمر الحاكم العام (الدكريتو أو
المرسوم السلطاني) به، ويلزم من ذلك جعله تشريعا جديدا من هذه الحكومة،
يحكم به باسمها، على أنها هي الواضعة له، وينفذه وزير من وزرائها، لا يشترط
أن يكون مسلما، وكون القضاة يطبقون الحكم على ما يفهمون من نصوصه - وإن
كانت سقيمة - لا تدل على ما قصدته اللجنة دلالة واضحة (قد اطلعنا على بعض
ما وضع من هذا القانون، فوجدنا فيه عبارات كثيرة في غاية الضعف والركاكة) ،
وكونه سيشرح كما شرح غيره من القوانين، فتستنبط الأحكام من عبارته (النص
الحرفي) ، فيستعين بشرحه القضاة ووكلاء الدعاوي على فهم المراد منه، والعمل
بما يفهمون من ذلك، ولما كنت منتقدا لهذا الوضع بهذه الصورة لم أبين رأيي في
مواده، عند ما أرسل إلي وزير الحقانية الجزء الأول الذي تم منه، كما أرسله إلى
كثير من علماء الشرع والقضاة والمحامين من شرعيين وأهليين؛ لأن إبداء الرأي
في ذلك يتضمن إقرار أصل العمل والموافقة عليه، ولست مقرا له ولا موافقا.
وقد انتقد كثير من أهل العلم بعض مواد هذا القانون في الجرائد، واقترح
بعض من أرسل إليهم ما تم منه اقتراحات، عرضت على اللجنة العلمية المشتغلة
بوضعه، وعلمت أن بعض المحامين الأهليين اقترحوا على وزير الحقانية اغتنام
هذه الفرصة لإبطال تعدد الزوجات، وتقييد أحكام الطلاق! ، بنحو ما كان اقترحه
قاسم بك أمين فيما كتبه في المسألة التي يسمونها (تحرير المرأة) ، وإن أدري
أعرضت أمثال هذه الاقتراحات على اللجنة، أم التزمت الوزارة عرض ما هو
منصوص في كتب المذاهب الأربعة؟
وقد كثر بحث المتفرنجين - وخاصة علماء الحقوق منهم - في مسألة قانون
الأحكام الشخصية، وحديثهم في وجوب جعله مطابقا لآراء الذين يسمونهم (الفئة
الراقية) - يعني المتفرنجة - وقد عني بهذه المسألة أحمد أفندي صفوت وكيل نيابة
(الدلنجات) ، فألف فيها رسالة، خرج فيها عن الموضوع إلى ما هو أعم منه
وأكبر، وأهم وأخطر، وهو نسخ نصوص الشريعة الإسلامية كلها، وإبطال
قواعدها وأصولها التي هي موضوع علم أصول الفقه، ووضع أصول أخرى لها
يراها الواضع مرقية لهذه الأمة الإسلامية من حضيض الهمجية القديمة التي كان
عليها سلف المسلمين وخلفهم بزعمه ووهمه - إلى قمة الترقي المدني الجديد الذي
صعدت إليه الأمة المصرية أو الفئة الراقية منها، التي يجب عنده أو ينتظر أن
يتبعها غيرها.
وقد ألقى هذه الرسالة بصفة خطبة - أو محاضرة كما سماها - على جمهور
كبير من هذه الفئة بقاعة المحامين بالإسكندرية (في 5 أكتوبر سنة 1917) تحت
رئاسة المحامي أنطون بك سلامة، ثم طبعت ووزعت على الناس، وألقي إلي
نسخة منها، فوجب علي الرد عليها شرعا، وذلك ما رغب ويرغب فيه كثير من
محسني الظن بي، كما بينت ذلك في مقالة الجزء الذي قبل هذا.
إن مواضع النقد والبحث في هذه الرسالة (أو المحاضرة) ثلاثة أهمها:
القواعد الجديدة التي وضعها هذا الباحث لنسخ الشريعة الإسلامية بهدم أصولها
القديمة كلها. ويليه المسائل المراد إصلاحها من قانون الأحكام الشخصية، وهي
أربعة ذكرها مجملة في ص 5:
(1) حرية المتعاقدين ولزومية العقد على الطرفين.
(2) عدم التناقض مع قاعدة الحرية الشخصية المقررة في قانون العقوبات.
(3) رسمية عقد الزواج والطلاق.
(4) تسهيل إجراءات الدعوى.
ويلي هذين مسائل متفرقة في موضوع الترقي الذي يدعيه هو وأمثاله،
ويطلب تغيير أصول الشريعة وفروعها لأجله، ونبدأ بالأول الأهم، فنبين رأيه في
أصول الشريعة، وقواعده التي وضعها لنسخها، ونتبعها بنقدها العلمي الشرعي
فنقول:
أصول الشريعة ورأيه فيها:
قال في أول الصفحة 21 ما نصه (أصول الشريعة: الكتاب والسنة والإجماع
والقياس. أما القياس فنصرف النظر عنه؛ لأننا سنقيس بأنفسنا على أحكام
الأصول الأخرى) ، يعني أنهم سيقيسون على الأصول التي يشرعونها بأنفسهم؛
بناء على أن لهم حق التشريع في الأحكام الشخصية كالأحكام المدنية والعقوبية التي
تشرع الحكومة فيها ما تشاء بإرشاد المسيطرين عليها، كما سيأتي بيانه، ومنها ما
يأخذونه عن قوانين الإفرنج كما هي. مثال ذلك قاعدة الحرية الشخصية المقررة في
قانون العقوبات، ومن أحكامها أن الأنثى متى تجاوزت السنة الرابعة عشرة يجوز
لها أن تعاشر من تشاء بلا قيد ولا شرط ولا رباط شرعي، وليس لوالدها حق
إرجاعها عن غيها لداره، كما صرح بهذا مؤلف الرسالة في الصفحة الثامنة
وغيرها. وكما أنه لا يجوز لوالد بنت الخامسة عشرة فما فوقها أن يردها ويمنعها
عن غيها إذا اختارت أن تكون خدنا لأحد الفساق، أو بغيا تعرض نفسها للزنا في
المواخير والأسواق، كذلك لا يجوز لقاضي الشرع ولا للسلطان أو نائبه - أن
يردها عن هذا الحق الذي حقه لها القانون، ولماذا؟ ! لأن القانون أباحه. أما ما
أباحه الله في كتابه فلكل حاكم أن يحرمه عندهم، كما سيأتي قريبا.
قال: (وأما الإجماع) وحجتهم فيه حديث: لا تجتمع أمتي على ضلال،
فنقسمه إلى قسمين: إما إجماع العلماء أو حكم ولي الأمر السابق (كذا) وعلى
حسب قواعد نظامنا القضائي لا نتقيد برأي مهما أجمع عليه الشراح إلا أن نوافق
على إجماعهم! وأما ما يقرره الحاكم بصفته صاحب السلطة التشريعية - فيمكن
لخلفه أن يلغيه طبقا لقاعدة أن السلطة التشريعية تملك أن تلغي ما تقرره طبعا لا
تأثير لشخصية الحاكم. (كذا) ، وقد استشهد لهذه القاعدة بأن لكل سلطان أن يلغي
ما وضعه من قبله، وجعله إلغاء الإجماع من هذا القبيل، ثم قال: إن المتأخرين
هم الذين جعلوا الإجماع حجة؛ رضاء منهم بتحكيم السابقين (قال) : " ونحن الآن
نرفض حكم المتأخرين والسابقين " أي أنه يرفض أحكام جميع المسلمين من السلف
والخلف، ولكنه ادعى أنه يتقيد بما جاء به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم،
فانظر كيف يتقيد بذلك! ، قال في ص 22:
(السنة) أريد أن أبحث القرآن من قبل؛ لأن حكم اتباع السنة ناتج من حكم
القرآن.
القرآن بصفته كتاب الله قد أودع فيه كل حكم شاء أن يفرض على كافة
المسلمين في جميع العالم اتباعه، فالذي ترك ولم ينزل في القرآن ترك ليكون للفرد
حرية التصرف فيه ولولي الأمر الرأي في تقييده بحسب ما يراه لازما لمصلحة
الجمهور. فالرسول بصفته ولي الأمر حاكم الأمة وقاضيها كان إذا سئل عن أمر
حكم فيه وهذه الأحكام إما صدرت في مسائل فردية خاصة فتقيدت بها وإما صدرت
من الرسول لتكون قاعدة وحكما عاما وفي هذه الحالة تكون بمثابة قانون صدر من
صاحب السلطة التشريعية ونفس هذه السلطة يملكها الحاكم في كل زمن بعده فيملك
إلغاء ما تقرر بمقتضاها.
وإذا أستنتج أن السنة إما أنها تخصصت بحوادث فردية فصارت أحكاما
قضائية في طبيعتها، وإما تعممت في شكل قواعد وقوانين فصارت تشريعا صادرا
من ولي الأمر لزمنه، وإذا ظهر من بعد للاحقين من أولياء الأمر مصلحة للناس
في تغييرها أو إلغائها كان ذلك ولا حرج. وهذا كله خاص بالأحكام المدنية فقط
دون الدينية. ولا يتناقض في شيء قوله تعالى: {وأطيعوا الرسول وأولي الأمر
منكم} (النساء: 59) ، وقوله: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه
فانتهوا} (الحشر: 7) ؛ إذ إننا إذا رأينا لزوما للخروج عن السنة لمصلحة فلا
يكون ذلك غير طاعة، بل شيئا آخر، وبديهي أن الرسول لو كان في هذا العصر
لاختلفت سنته فيه، ولو لم يسأل ما أبدى حكما!
(الكتاب) قلت في الكلام عن السنة: إن الله أودع الكتاب كل حكم شاء أن
يفرض على كافة المسلمين في كل زمان اتباعه. فيكون الكتاب بذلك مقيدا للمسلمين
فيما أمر. وبهذه المناسبة أعيد القول أن ليس لأي حكم لم يرد في الكتاب حكم
الفرض الواجب العمل به. وما زاد عن الكتاب من سنة أو إجماع حكمه الجواز،
إذا شاء قام به الفرد، وإن لم ير مصلحة في ذلك فله العدول عنه.
والأحكام الواردة في القرآن - عدا المبادئ الأصولية العامة - على ثلاثة
أقسام:
(1) ما حرم عمله.
(2) ما أوجب عمله.
(3) ما أجيز.
ثم بين أن حكم القسم الأول أن لا يتعرض له، ولا يحكم بشيء يخالفه في
مرماه، كتحريم الأم والأخت والجمع بين خمس أزواج. ومرمى الشيء غرضه،
والمراد أن يعتبر الغرض من الحكم لا الحكم نفسه، فهو إذا كالقسم الثاني. وحكم
القسم الثاني أن يبقى منه ما تتحقق به الحكمة المقصودة منه. ومثل له بإيفاء العدة
والإشهاد على عقد الزواج.
(قال) : (فلا حرج في أن نصل إلى الغرض المقصود من أفيد الطرق
وأخصرها) ، وعد جعل العقد رسميا مغنيا عن الإشهاد، ومرور أكثر مدة الحمل
على الطلاق مغنيا عن التقيد بالتربص ثلاثة قروء، أي ومثل ذلك ما إذا علم عدم
الحمل بالاطلاع على ما في الرحم بالأشعة التي تشف الجسم (أي تجعله شفافا)
كالأشعة المعروفة بأشعة رونتجن؛ فبذلك يمكن إلغاء العدة على قاعدته!
ثم قال - بعد التمثيل الذي ذكرناه بالمعنى -: (وبذلك ينقض وجوب التقييد
بالمعاني الحرفية للألفاظ القانونية الواردة في القرآن) ، وأما حكم الثالث - وهو ما
جعله القرآن جائزا كتعدد الزوجات - فهو أن الإنسان مخير فيه، ولكن لكل حكومة
أن تحرم منه بالقوانين الوضعية ما تشاء.
هذا رأي أحمد أفندي صفوت في أصول الشريعة الإسلامية ذكر أنه يقوله
ويقترحه بصفته مسلما! ، وهو هدم لأصول الشريعة كلها، لا يوافقه عليه مسلم في
الأرض، وهو مسلم، وسنبين ذلك بالدليل في الجزء الآتي إن شاء الله تعالى.
((يتبع بمقال تال))
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>