تجد من طلاب الإصلاح الديني والدنيوي أعوانا وأنصارا تجرئها، ويتعاون رجال
الدين ورجال المدنية على الإصلاح الإسلامي الديني المدني، ويظهر صدق قولنا
في المقصورة بعد التنويه بما قام به الأستاذ الإمام من الاجتهاد في إصلاح الأزهر:
فإن يك الأزهر لم يصلح بها ... فقد نأى عن سبل من كان مأى [1]
ونبتت من غرسه نابتة ... ستلأم الصدع وترأب الثأى
وترفع الحجب عن المعهد أو ... يعود جحر الضب حيا كامنا [2]
إذا ينال وهو قد أشفى الشفا ... من معضل بات به على شفا
ثمت ولى المصلحون شطره ... ألا يفيضون علوما وهدى
فأحيوا الإسلام في أنفس من ... داناهم بهجره صرف الردى
فعاد آهلا إلى موطنه ... من غربة طال بها عهد النوى
واستتبعت غربته المجد كما ... كان فعاد الأمر مثلما بدا
فتبين بهذا أن خوف السائل على الإسلام من بدع خلف المتصوفة هو من قبيل
توقع الواقع، وإنما يتلافى هذا الواقع فيهم وفي غيرهم بتجديد يكون سريعا إذا أيدته
حكومة إسلامية، وبطيئا إذا لم يتح له ذلك في بدء التجديد، وإنما يكون التجديد
بالتعارف والتعاون بين الطائفة التي بشر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن أمته
لا تخلو من وجودها، فإنها الآن متفرقة في البلاد، ما من قطر إلا وفيه أفراد منها،
ففي حديث ثوبان في الصحيحين وكتب السنن: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين
على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك) ، وفي معناه أحاديث
أخرى.
وأهم القواعد التي يجب بناء الإصلاح عليها هي:
1- الاعتراف بإسلام كل مذعن لما أجمع عليه المسلمون من أمر الدين.
2- بث دعوة العمل بهداية الكتاب والسنة الصحيحة وسيرة السلف الصالح
فيهما كما أثبته علماء الحديث بالأسانيد المعتمدة، وترك ما خالفه من أنظار
المتكلمين وآراء الفقهاء، ولا نزيد في أمور العبادات والحلال والحرام على ذلك،
ولا ننقص منه، وقد بينا حجج هذه المسألة مرارا، وليس معنى هذا أن يكون
المهتدي بذلك إماما مجتهدا، بل أن يكون على بصيرة من دينه على طريقة السلف
عوامهم وخواصهم مع الاستعانة على فهم النصوص بما فسرها به العلماء.
3- عدم التعصب لبعض المذاهب على بعض، وذلك بأن نعذر كل متبع لإمام
من أئمة السلف المجتهدين في حكم من الأحكام من أئمة آل البيت كزيد بن علي
والصادق والباقر وأئمة فقهاء الأمصار كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وأئمة
الصوفية كالجنيد، وعلماء الصحابة والتابعين بالأولى، ولا نكفر مسلما مذعنا بذنب
ولا بدعة ارتكبها بجهل، أو بشبهة اتباع إمام أو بتأول، ومتى زال التعصب تكون
المناظرة بين المختلفين في ذلك بالدليل الشرعي مع الأدب والاحترام واتقاء الشقاق
والتفرق بين المسلمين، ويتبع دعاة الإصلاح في ذلك قاعدة الإمام مالك: كل أحد
يؤخذ من كلامه ويرد عليه إلا صاحب هذا القبر، يعني النبي - صلى الله عليه
وسلم - فلا يتعصبون لشخص معين غير الرسول - صلوات الله وسلامه عليه -
ولا لجماعة غير الصحابة رضوان الله عليهم، فما أجمعوا عليه فلا مندوحة عن
اتباعه، وما اختلفوا فيه يرجح فيه ما كان دليله أقوى، والآخذون به من التابعين
وسائر علماء السلف أكثر، فإنه قلما يسلم عالم مجتهد من شذوذ كبار العلماء الذين
خالفوا الجمهور، وليكون شرحا لقاعدة الإمام مالك رحمه الله تعالى.
4- الاستعانة بإرشاد الكتاب والسنة على الإصلاح الدنيوي مع تحصيل العلوم
والفنون التي ترتقي بها الزراعة والصناعة والتجارة والقوى الحربية، فإن هذا
مفوض إلينا بتلك الهداية التي نصت على أن الله خلق لنا ما في الأرض جميعا،
وأمرتنا بأن نعد لحفظ دعوة الحق ما نستطيع من قوة، وقال رسولنا - صلى الله
عليه وسلم -: (إنما أنا بشر مثلكم إذا أمرتكم بشيء من أمر دينكم فخذوا به، وإذا
أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر) وقال: (أنتم أعلم بأمر دنياكم) رواهما