تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أو يتوهم أن أمر رزقه بيده، ولو فيما يضر ملته وأمته؟

من هذا البيان الوجيز المفيد يعلم السائل حقيقة التصوف، وأن له كتبا تشبه

القوانين أكثر ما فيها منصوص أو مستنبط من الشرع، أو غير مخالف له،

وبعضها بدع تلصق به إلصاقا بشبهات وتأويلات باطلة. وأحسن الكتب في تصوف

الحقائق، وأسلمها من مخالفة الكتاب والسنة فيما نعلم كتاب (مدارج السالكين) ،

وأما سؤال السائل عن وجه الحاجة إليه مع وجود الكتاب والسنة، فجوابه: إن

علمي الكلام والفقه يشاركان التصوف في هذا السؤال وجوابه، فكما شعر المسلمون

بالحاجة إلى تصنيف الكتب في بيان أصول العقائد التي تستند إلى الكتاب والسنة

للتمييز بينها وبين البدع، وإثباتها بالأدلة النظرية الفنية التي كانت مألوفة بانتشار

كتب الفلسفة، ورد شبهات المخالفين على هذه العقائد، وكما شعروا بالحاجة إلى

تدوين علم الأحكام الشرعية في العبادات والمعاملات لإيضاح ما جاء في الكتاب

والسنة من النصوص، وما يمكن أن يستنبط منها، ولو بطريق القياس الذي احتج

على إثباته ببعضها، كذلك شعروا بالحاجة إلى تدوين الكتب لبيان طريقة التربية

والتأدب بالآداب المنصوصة فيهما، أو المستنبطة منهما، والمفصلة لما فيهما من

الإجمال، وقد قلنا آنفا: إن ما وقع في كتب الصوفية من المخالفة لبعض

نصوصهما وسيرة السلف الصالح الذين أجمعت كل الفرق على تفضيلهم وخيريتهم

وقع مثله في كتب المتكلمين والفقهاء، يعلم ذلك من كتب السنة، ومن الكتب التي

يرد فيها كل منهم على الآخر، والفقهاء المقلدون يوجبون طاعة شيوخهم الذين

التزموا تقليد مذاهبهم، ويجعلون كلامهم أصلا في الدين يردون به نصوص الكتاب

والسنة بتأويل أو غير تأويل، كما يوجب المتصوفة طاعة شيوخهم المسلكين،

ويؤولون ما خالفوا فيه الشرع، ولكن لا يقولون: إنه أصل في الدين يجب على الناس

اتباعه شرعا، بل شبهة هذه الطاعة عندهم أن التربية المرادة من سلوك الطريقة

تتوقف على هذه الطاعة مؤقتا لا دائما، وأن كلامهم في الحقائق رموز لا يفهمها

غيرهم.

وقد ذكر المحقق ابن القيم في كتابه (إعلام الموقعين) أمثلة كثيرة لما خالف

فيه المقلدون للمذاهب المشهورة النصوص الصحيحة الصريحة المحكمة اتباعا

لأقوال شيوخهم، واحتجوا لهذه الأقوال بالأقيسة، أو بجعل المتشابه أصلا للمحكم،

أو بأحاديث لا تصح، ولا يحتج بها بحسب القواعد الأصولية، ومنها ما احتجوا له

بعبارة من حديث صحيح يردون باقيه المخالف للمذاهب، وهذا من عجيب أمرهم

كما قال، وقد أورد له ستة وستين شاهدا في الوجه التاسع عشر من وجوه الرد على

المقلدين التي بلغت 81 وجها، فليراجعها السائل ومن شاء في الفصل المعقود للكلام

في القياس والتقليد من الجزء الأول من هذا الكتاب الجليل.

ثم إنه عقد بعد هذا الفصل فصلا آخر في (تحريم الإفتاء والحكم في دين الله

بما يخالف النصوص، وسقوط الاجتهاد والتقليد عند ظهور النص، وذكر إجماع

الفقهاء على ذلك) وقد أورد في هذا الفصل 77 مثالا لرد أهل المذاهب السنة

الصحيحة الصريحة المحكمة بالقياس، أو بغير الصحيح أو بالمتشابه، وذكر في

الوجه الثامن منها بعض شبهاتهم، ورد عليها باثنتين وخمسين وجها كلها شواهد

تؤيد ما ذكرناه.

فإذا كان الأمر كذلك، فلماذا يخشى السائل كسوف شمس الشريعة في أفق

الصوفية دون غيرهم، وهو يعلم أن المنتحلين لطرق التصوف والمنتحلين لمذاهب

الفقه لا تزييل بينهم ولا تمييز، فلا هؤلاء على هدي أئمة الفقه من علماء السلف

كمالك والشافعي، ولا أولئك على هدي أئمة التصوف كالجنيد والشبلي وأمثالهم من

عباد السلف، فالحق أن جميع الفرق لها حسنات وسيئات {ثلة من الأولين * وقليل

من الآخرين} (الواقعة: 13-14) ، وأكثر مسلمي هذا العصر ضعفاء في الدين

علما وعملا، ولا سيما في البلاد التي ليس فيها حكومة إسلامية تقيم الحدود وتلتزم

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٧٨