تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قدري. وقال أحمد: ما كان بصاحب كذب. وتعقبه الحافظ ابن حجر فقال: لو لم

يرد فيه إلا هذا لمشى الحال، ولكن بقية ترجمته عند ابن حبان: كان يروي

المناكير عن المشاهير حتى يشهد المبتدئ في هذه الصناعة (أي رواية الحديث)

أنها موضوعة وساق منها هذا الحديث اه. وقال الذهبي في ترجمته في الميزان:

وروى عن حميد عن أنس بخبر طويل في الذكر على الوضوء باطل إلخ.

أقتصر على هذين الشاهدين من الأخذ بالأحاديث الموضوعة والواهية

لنصوص الفقهاء فيهما، وهم الذين يعول الجمهور على كلامهم، ويرجحونه على

كلام سائر العلماء فيما اختلفوا فيه؛ لأنهم هم الذين انتدبوا لتحرير فقه الأئمة الذين

يدعي الناس تقليدهم، وكانت الحكام تحكم بما دونوه في كتبهم، ولا تقبل الفتوى إلا

منها حتى صار جماهير المنتسبين إلى طرق الصوفية يتبعون هؤلاء الفقهاء وإن

كان الصوفي الحقيقي - وهو العارف بربه العالم بدينه العالم به - لا يقلد أحدا، وقد

احتكر الفقهاء لأنفسهم حق ترجيح أقوالهم على أقوال المفسرين والمحدثين، بله

الصوفية والمتكلمين، كما صرح به ابن حجر الهيثمي في الفتاوى الحديثة، وكان

الصواب أن يحكم علماء الآثار من التفسير والحديث، وسيرة سلف الأمة في كل

خلاف وتنازع يقع بين المسلمين ليبينوا لهم حكم الله ورسوله فيه؛ عملا بقوله عز

وجل: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله

واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} (النساء: 59) ، ولا خلاف بين أحد من

العلماء في معنى هذا الرد، بل هم متفقون على أن الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه،

والرد إلى الرسول بعد وفاته هو الرد إلى سنته، وعلماء الآثار هم المختصون بعلم

ما صح في التفسير، ومن سنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وسيرة السلف،

وكثيرا ما يأخذ الفقهاء بما لا يصح من الأحاديث، وقد يحكمون بالقياس مع وجود

النص، بل يأخذون بأقوال المصنفين المنتمين إلى مذاهبهم، وإن لم يعرفوا لها

دليلا ولا نصا من كلام أئمتهم المجتهدين، ولا سيما المتأخرين منهم، وقد أعطوا

للمشتغلين بكتبهم سلاحا يحاربون به نصوص الكتاب والسنة اعتذارا بالتقليد، فكل

كتاب ينتمي مصنفه إلى مذاهبهم يحتج به عندهم ويعمل بما فيه، ولكن لا يجوز

الاهتداء عندهم بالكتاب ولا بالسنة إلا من هداه الله ووفقه، ولم تضل أمة من أمم

الرسل عن دينها أبعد من ضلال هؤلاء، ولولا حفظ الله لكتابه وتوفيقه الحفاظ

لتدوين السنة لتعذر الإصلاح ومعرفة حقيقة الإسلام، وقد سبق لنا بيان هذا مرارا

كثيرة، آخرها ما بسطناه في الكلام على فتوى شيخ الأزهر في إنكار بعض البدع،

وما فصلناه في الفتوى الأولى والثانية من جزئي المنار اللذين قبل هذا.

وجملة القول في صوفية المسلمين أن علماءهم كسائر أصناف علماء

المسلمين الذين استعملوا عقولهم في الدين من المتكلمين والفقهاء كل صنف قد انفرد

بالتوسع في علم، فجاء فيه بما لم يجئ به غيره، وكل منهم أخطأ وأصاب،

فالصوفية أتقنوا علم الأخلاق والآداب الدينية وحكم الشريعة وأسرارها، وطرق

تزكية النفس وإصلاحها، وهذا غرض الدين ومقصده، فإن كانوا قد غلوا وأتوا

ببعض ما يخالف النصوص، ودخل في كتبهم وأعمالهم من تصوف الأمم السالفة،

ومن البدع ما ينكره الإسلام، فالمتكلمون أيضا قد دخل في كتبهم مثل ذلك من

الفلسفة اليونانية وغيرها من البدع المخالفة للنصوص ولما كان عليه السلف،

وكذلك الفقهاء قد دخل في كتبهم مثل ذلك بالرأي والقياس والأخذ بالأحاديث الضعيفة

والموضوعة، وكل من في هذا العصر من المنتحلين لطرق الصوفية، فهو منتم

إلى أحد مذاهب الفقهاء والمتكلمين، فلو صلح حال المشتغلين بعلم الفقه لأمكنهم

إصلاح أهل الطريق، وأنى يصلح غيره من لم يصلح نفسه؟ وأنى يصلح نفسه

أو غيره من اتخذ علم الدين حرفة للارتزاق به، فهو يخدم ويطيع من يعتقد أو يظن

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٧٧