تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والتمييز وفعل الشرط وجوابه، وباستقراء هذه المواضع يتقرر أصل يمكن اطراده

وهو صحة الحذف لدليل، والجواب: أن ورود السماع بالحذف في باب كالنعت أو

المنعوت إنما يسوغ القياس في ذلك الباب خاصة؛ إذ قصارى ما تدل عليه شواهده أن

الحذف هنالك لا يخالف الأسلوب، وأجازه الكسائي لحذف الفاعل، والكوفيون

لحذف الموصول، والجمهور لحذف أحد مفعولي (ظننت) إنما اعتمدوا فيها

على شواهد مبسوطة في كتب الفروع.

وإذا وضعت ألفاظ للدلالة على غرض وانتظمت في منهج وسمع في أحدها

حذف بعض متعلقاته، فهل يجري الحذف في متعلقات ما يشاركه في المعنى على

طريقة قياس التمثيل؟ ومثال هذا أنه ثبت حذف صدر الصلة مع (أي) الموصولة

في نحو قولك: (زارني أيهم أكتب) فوقف أكثر النحاة عند هذا الموضع واستضعفوا

حذفه مع غير (أي) من الموصولات، ولم يستضعفه ابن مالك. فالقائل بمنع القياس

ناظر إلى أن حذف متعلق الكلمة وهو صدر الصلة جرى على غير أصل فلا نتجاوز

فيه حد السماع حتى نلحق به ما يشارك تلك الكلمة في مساقها ونحذف متعلقه، والقائل

بجواز الإلحاق ناظر إلى أن اتحاد الكلمتين في المعنى يجعلهما في حال الكلمة

الواحدة، فما يثبت لإحداهما من الأحكام يصح إعطاؤه للأخرى حيث إن الأسلوب

معهما متماثل.

وإذا ورد السماع بحذف حرف في موضع من التركيب على سبيل

الاطراد، فهل يقاس عليه ما يرادفه من الحروف فيسوغ حذفه ولو لم ترد به

الرواية؟ هذا من مواقع اختلافهم أيضا، ومن أمثلته أنهم أجازوا حذف (لا

النافية) في جواب القسم، كما ورد في قوله تعالى: ﴿تالله تفتأ تذكر يوسف﴾ (يوسف: 85) وقول الشاعر:

آليت حب العراق الدهر أطعمه ... والحب يأكله في القرية السوس

واختلفوا في حذف (ما النافية) في نحو هذا التركيب، ومن أبى حذفها قد

يتمسك بأن (لا) وضعت للدلالة على السلب، وحذفها يوهم إرادة الإثبات الذي هو

ضد مدلولها، فكان ذكرها على ما يقتضيه وضعها ضربة لازب، ولكنهم حذفوها في

جواب القسم لكثرة استعمالها، ولا يصح إلحاق لفظ (ما) بها وإن كانت مرادفة لها

في المعنى؛ لأنها لا تشاركها في الوجه الذي اقتضى العدول بها عن القياس وهو كثرة

الاستعمال.

ولا ترى طائفة - منهم الكافيجي - الوقوف في الأساليب على ما ورد عن

العرب فأجازوا لك أن تقول: في الدرس علي والمسجد خالد، ونحو: كان تاليا

الخطبة بكر والقصيدة محمود، وهذا ما يعبر عنه النحاة بمسألة العطف على معمولي

عاملين مختلفين، ثم قال الشيخ الكافيجي عقب هذا: إن جزئيات الكلام إذا أفادت

المعنى المقصود منها على وجه الاستقامة لا يحتاج إلى النقل والسماع، وإلا لزم توقف

تراكيب العلماء في تصانيفهم على ذلك.

وهذه العبارة مطلقة العنان ولا بد من رد جماحها فنقول: إن أراد الكافيجي

بقوله: (أفادت المعنى على وجه الاستقامة) أنها أوصلت المعنى إلى ذهن المخاطب

كاملا، فهذا لا يكفي في صحة الكلام عند علماء العربية قطعا، فإن من التراكيب ما

يؤدي المعنى وافيا ويكون المتكلم قد خالف فيه بعض القواعد المجمع عليها، وإن

قصد (بوجه الاستقامة) المطابقة لصحة الأسلوب عربية، فهذا هو محل النزاع

بينه وبين من لا يجيز أمثال ذينك التركيبين، حيث إن المانع يراهما غير مطابقين

للأسلوب الصحيح، فلا محيص للكافيجي وغيره من إقامة دليل على الصحة، أو سمع

يوثق به أو قياس تمثيل لا يتطرق إليه قادح.

القياس في موقع الإعراب

إذا وردت الكلمة بمكان من الإعراب لم يسمع استعمالها في غيره، فأصولهم

تقتضي أنها إنما تطرد فيما سمعت ولا يقاس عليه غيره من المواقع، ومن هذا

تخصيصهم (فل ولومان ونومان) بالنداء، و (قط عوض) بالظرفية أو الجر ب

(من) .

ومن فروع هذا قول ابن الحاجب وسعد الدين التفتازاني أن لفظة (كل) إذا

أضيفت إلى الضمير لم تستعمل في كلامهم إلا توكيدا، فيمتنع إيرادها مفعولا به أو

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٣٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٣٣٠