تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

موصولة بأداة التعريف مع إيرادهم لها في جل مخاطباتهم - دليل على أنهم التزموا

قطعها عن هذه الأداة، ولا يسوغ لنا إلحاق الكلمة بأشباهها متى شهد الاستعمال بعدم

إجرائها على القاعدة.

وعلى هذا التحرير يجري القول في الأسماء التي قصروها على حالة كالألفاظ

التي قال صاحب (إصلاح المنطق) وغيره أنها لا تستعمل إلا في سياق النفي، وهي

(أحد وعريب وديار) وأخواتها، وينتظم في هذا الصدد الأسماء المختصة بالإضافة

إلى المضمرات ك (وحد) ولبي ودوالي وسعدي) .

وصفوة المقال أن الكلمة إذا وردت مقرونة بلفظ معين أو نوع خاص فلا بد

من النظر في حال استعمالها فإن كثر دورانها في أقوال الفصحاء وغيرهم، ولم

يعدلوا عن وصلها بذلك اللفظ المعين أو النوع الخاص - وقفنا عند استعمالهم ولا

يسعنا الخروج عن حالتها في الرواية، وإذا لم تكن شائعة في فنون المخاطبات،

فإنه يسوغ لنا أن نتصرف فيها فنقرنها بغير ذلك اللفظ ونتعدى بها مكان الرواية

حيث لم يقم الدليل وهو كثرة تقلبها في ألسنتهم على قصد اختصاصها بهذا الاقتران.

ومن أمثلة هذا أنه ورد اتصال هاء التنبيه بالضمير المخبر عنه باسم إشارة،

فرأى ابن هشام أن الأمثلة الواردة بهذا الأسلوب قد بلغت في الكثرة إلى أن يؤخذ

منها التزامهم في خبر الضمير أن يكون اسم إشارة فأوجب في خبر الضمير

المقرون بحرف التنبيه أن يكون اسم إشارة اتباعا للاستعمال.

ويدخل في هذا القبيل قولهم: (ليس غير) قال ابن هشام: إن (غير) المبنية

على الضم إنما تستعمل متصلة ب (ليس) وقولهم: (لا غير) لحن، ومن عد هذا

الاستعمال في جملة الصحيح، فقد ظفر في كلام العرب بما يشهد بصحته وهو قول

الشاعر:

جوابا به تنجو اعتمد فوربنا ... لعن عمل أسلفت لا غير تسأل

وإذا وردت الكلمة متصلة بنوع من الأسماء ورودا لا يحيط به استقصاء، صح

أن يكون اتصالها بذلك النوع مقيسا، كتاء التأنيث تتصل باسم الفاعل واسم المفعول

والصفة المشبهة والمنسوب على وجه القياس، ولم يبلغ اتصالها بالأسماء الجامدة

هذا المبلغ فوقفوا فيها عند حد السماع ك (ظبي) وظبية وامرئ وامرأة) فلا تقول

(إنسانة) في مؤنث إنسان، إلا إذا نقل إليك لفظه في شاهد صحيح، كما سمع

(القة) للمؤنث من القرود، ولا يقال في مذكرها (الق) حيث لم يعثروا على نقل

يشهد بصحة استعماله.

ولهذا الأصل أنكر الصفدي قولهم للظبية (غزالة) مع ورود (غزال) للمذكر؛

لأنه لم يثبت عنده برواية، وما خالفه الدماميني في ذلك إلا بعد وقوفه على شواهد من

كلام العرب تقتضي صحة استعمالها.

القياس في الترتيب

إذا كانت إحدى الكلمتين تابعة للأخرى من جهة المعنى فالتناسب الطبيعي

يقتضي أن تذكر عقبها في التلفظ، ومن ثم قرروا في أصولهم أن المتبوع يتقدم

على التابع، والمستثنى منه يتقدم على المستثنى، والمميز يتقدم على التمييز،

وصاحب الحال يتقدم على نفس الحال.

فمن أباح تقديم الكلمة التابعة فإنما تقبل دعواه متى كانت مصحوبة بدليل،

فالكوفيون مثلا أجازوا تقديم المعطوف على المعطوف عليه، والكسائي والمبرد

سوغا تقديم التمييز على عامله، والفراء والأخفش ذهبا إلى صحة تقديم الحال

على عاملها الظرف أو الجار والمجرور، وابن برهان وابن كيسان أباحا تقديم

الحال على صاحبها المجرور بحرف، وما أجازوا هذه القضايا التي يحكم الأصل

بمنعها إلا باستنادهم إلى شواهد رأوها كافية في تقرير ما ذهبوا إليه.

ومن فروع هذا الأصل أن لا يتقدم الضمير على معاده ويستثنى من ذلك

مواضع، بعضها عقدوا عليه الاتفاق كضمير الشأن، ومنها ما اختلفوا فيه كالضمير

العائد على المفعول به. والأصل في محل الاختلاف بيد من لا يجيز عوده على

المتأخر عنه في نظم العبارة إلى أن يقيم المخالف شاهده الصحيح.

أجاز الأخفش وأبو الفتح عود الضمير المتصل بفاعل مقدم إلى مفعول تأخر

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٣٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٣٢٨