يقول بجواز هذا، فإذا صدق ظني فبماذا يفرق بين الصورتين؟
قد يقاول هذه القراطيس المالية الدولية، قد تنقص قيمتها بالنقد الفضي والذهبي
عما التزم بها من روبيات أو قروش أو جنيهات فتباع بما دونه كما هو واقع اليوم
في القراطيس (الأنواط) النمساوية والألمانية والفرنسية وغيرها، فمنها ما يباع
بنصف القيمة وما يباع بخمسها أو سبعها أو أدنى من ذلك أو أكثر، فبهذا صارت من
قبيل عروض التجارة، ونقول إن هذا النقص في قيمة الأنواط لا يكون من الحكومة
التي أصدرتها في بلادها وإنما يعرض في التعامل بين الأجانب وسببه أن الثقة المالية
بالدول تقوى وتضعف أحيانا كالثقة بالأفراد بما يعرض لها من العجز عن دفع كل ما
عليها من الدين فحينئذ يرضى من بيده سند أو حوالة على مثل هذه الدولة أن يبيعه بما
دون القيمة المرقومة في السند أو الحوالة إذا لم يكن يستطيع معاملة هذه الدولة بها أو
انتظار عودة الثقة المالية التي تمكنها من الوفاء بما التزمته من دفع هذه القيمة وتحمل
الناس على تداول قراطيسها (أنواطها) بقيمتها الكاملة، ومثل هذه الحالة لا تصدق
على مثل الحكومة الهولاندية في بلادها ومستعمراتها، فإن قراطيسها المالية لا تنقص
عن القيمة المرقومة فيها من الروبيات الفضية، فإذا أخذ الدائن من المدين في النازلة
المسئول عنها قرطاسا بخمس عشرة روبية، فإنه يمكنه أن يأخذ من الحكومة هذا
المبلغ من الفضة أو يدفعه لأي مصلحة من مصالحها بهذه القيمة، فإذا كان عليه دين
للحكومة قبلته منه خزينتها، وإذا دفعه لمصلحة البريد أو مصلحة الجمارك أو صندوق
التوفير فإنها لا تفرق بينه وبين الفضة ألبتة، وإنما قد يفرق بينهما في البلاد الأجنبية
التي لا تتعامل بقراطيس هذه الدولة ولا فضتها بحسب الأحوال التي أشرنا إليها آنفا.
وإذا سلم أن هذه القراطيس من قبيل عروض التجارة امتنع فيها الربا في
جميع مذاهب الفقهاء؛ لأنها ليست من النقد ولا من أصول الأقوات التي ورد بها
النص ولا مما ألحق بها قياسا فتعد ربوية عند أهل الحديث وفقهائه ولا من المكيلات
ولا من الموزونات فتعد ربوية عند أهل الرأي، فكيف منع زيادة أحد العوضين فيها
فجعلها كبيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة أو البر بالبر.
فظهر بهذا أن رأي ذلك المدرس على كونه غير مطابق للواقع يؤدي إلى
إباحة الربا الذي لا شك فيه حتى في دار الإسلام بين أهله ويذهب بحكمة الشرع في
تحريمه وهو تعاطف الناس وتراحمهم وتعاونهم في أوقات العسرة كما أنه يتوسل به
إلى منع الزكاة أيضا.
بيع الفلوس النحاسية بالفضة
وأما المسألة الثانية وهي مسألة الفلوس النحاسية، فقول العالم الجاوي فيها هو
عين مذهب الشافعية الذي يتقلده مسلمو جاوه، فهو مصيب فيه ولكنه مخطئ في قياس
القراطيس المالية عليه لأنها سندات أو حوالات بنقد ربوي، ولو كانت هذه الفلوس
عمدة في النقد لجعل لها حكم الذهب والفضة بالقياس الجلي أو فحوى النص، وليست
كذلك، بل جعلت لأجل ضبط كسورهما والتعامل بها قليل ومحصور ما تضربه كل
دولة منها في بلادها، فلو نقل إلى بلاد أخرى لا يتعامل به ولا يباع بقيمة النقد ولا
بقيمة معدنه لو كان آنية بخلاف نقود الفضة فإنها تباع في كل قطر لا يتعامل أهله
بها بقيمة معدنه، وما نقلناه في هذه الفلوس هو المتعين في القوت الغالب إذا لم يكن
من الأقوات التي ورد بها النص.
صناديق التوفير
والفرق بين دار الإسلام وغيرها
وأما المسألة الثالثة وهي مسألة صندوق التوفير فهي عامة في جميع الممالك
الأوربية وما على نسقها من البلاد كمصر، وقد أجازه جماعة من علماء المذاهب
الأزهريين وأفتى به مفتي الديار المصرية بعد تطبيق استغلال مصلحة البريد
المصرية للأموال المتوفرة فيه على بعض أحكام الشركات الشرعية كما بيناه في
المنار، فراجعوا ذلك في المجلدين السادس والسابع.