رضاء الإنجليز المستنبط من إشراكهم للعرب أو للحجاز مع اليهود الصهيونيين
والأرمن في إرث ملك الدولة العثمانية هو الفوز العظيم الذي يجب أن يعمل له
العاملون دون سواه كما يعمل المؤمنون المتقون لنيل رضاء الله تعالى والخلود في
دار كرامته، ومثل هذا يقال أيضا في تمثله بقوله تعالى: {وفي ذلك فليتنافس
المتنافسون} (المطففين: 26) .
ويؤيد هذا ما هو أغرب منه في الإخلاص للإنكليز وهو ما قاله ملك الحجاز
نفسه في كتاب لنائب ملك الإنجليز بمصر ونشره مرارا في جريدة القبلة افتخارا
وتبجحا به لحسبانه أنه من آيات الله الكبرى، وأنه يبرئه مما يرميه به المسلمون
وهو أنه بعد أن أدلى بإخلاصه وإخلاص أولاده (الذين لا تغيرهم الطوارئ
والأهواء) لبريطانية العظمى وطالبها بإنجاز ما كان طلبه منها لأجل نهوضه
بالخروج على دولته وقتالها معها أو تعيين بلد يقيمون فيه ليسافروا في أول فرصة
إليه، وبعد أن صرح بأنه لا يقبل من مؤتمر الصلح أن يقرر له شيئا من دونها،
قال ما نصه: (ولو قرر المؤتمر المذكور أضعاف مقرراتنا وكان ذلك من غير
وساطتكم وقبلناها فنكن (كذا) مطرودين من رحمة الباري جل شأنه الرقيب على
قولي هذا) اه بنصه.
ولم نعهد قبل هذا أن أحدا من البشر اختار لنفسه أن يذل ويخزى لمخلوق
بجعل العبودية تحت ظل سلطانه خيرا من كل ما يتصور من رضوان الله ونعيمه
في الآخرة أو مثله، وخيرا من الحرية والاستقلال المطلق في الدنيا، فإن
(المقررات) التي يطالب ملك الحجاز الإنكليز بتنفيذها عبارة عن تأليف
إنكلترة حكومة عربية له تتولى هي صيانتها والمحافظة عليها في داخليتها وسلامة
حدودها البرية والبحرية من أي تعد بأي شكل حتى الدسائس الداخلية واعتداء
الحاسدين له من أمراء العرب كما صرح به في كتابه الذي كتبه إلى نائب الملك في
27 شعبان سنة 1333 وهو الكتاب الذي يسميه مقررات النهضة وهو الآن يقول:
إن مؤتمر الصلح لو قرر له الاستقلال التام المطلق من قيود تأليف الإنكليز لحكومته
وحفظها له في داخليتها وحماية حدودها ومن غير أن تكون البصرة (تحت أشغال
العظمة البريطانية) كما اقترح من تلقاء نفسه، وفلسطين لليهود الصهيونيين،
وسورية للفرنسيين كما قرر له مؤتمر الصلح، كل هذا بدون وساطة (العظمة
البريطانية) وقبله - يكون مطرودا من رحمة الله تعالى كإبليس لعنه الله، ومن
المعلوم أن (العظمة البريطانية) لم تنفذ تلك المقررات التي جعل تعديلها سببا
موجبا لخروجه مع أولاده من الحجاز أو بلاد العرب إلى حيث تختار لهم العظمة
البريطانية، وهي لا تختار لهم إلا الأمكنة التي هم فيها، فإنهم لا ينفعونها في
سواها.
***
شماتة سائس الحجاز بالكماليين
والمسألة الثانية مما انفرد به سائس جريدة القبلة في الرد علينا هي التماسه من
صاحب المنار (إرشاد العالم إلى من يجب أن يتبعوه الآن: أهم يقتدون بأنقرة أم
القسطنطينية؟) وقفى على هذا السؤال بذكر ما نقلته البرقيات من عزم الكماليين
على إخلاء أنقرة ليظهر للناس خطأ صاحب المنار بتنويهه بهم وتفضيلهم على
زعماء الحجاز يعني أنهم غلبوا على أمرهم ولم يستطيعوا أن يفعلوا شيئا، وطالما
أظهرت جريدة القبلة الشماتة بهم، وجوابنا أننا نحمد الله تعالى أننا لم نر هذه
الشماتة بالترك وسرور سائس جريدة القبلة بانتصار الصليب على الهلال كسروره
من قبل بفتح القدس وبغداد ودمشق إلا بعد أن نصر الله الكماليين على اليونان
وأقصوهم عن أنقرة مذءومين مدحورين. وليعلم سائس القبلة أن العالم الإسلامي لا
يحتاج إلى مرشد يرشده إلى من يقتدي به من فريقي القسطنطينية وأنقرة، فعقيدة
المسلمين الدينية وشعورهم الإسلامي خير مرشد يرشدهم إلى ضد ما تغشهم به
جريدة القبلة المخالفة للرأي العام لأهل القبلة، وهم يعلمون أنه لا خلاف بين أنقرة
والآستانة في نفس الأمر وإنما ابتليت القسطنطينية بالاحتلال الأجنبي فقامت أسود