تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مناوشات ومضاربات وقعت بينهم، رأى الرسول أن جيشه لا يقوى على الجيش الذي

أمامهم [2] ، وأن الصلح خير لهم، فدارت المفاوضات بين الطرفين على إبطال

الحرب عشر سنين، ويباح للرسول أن يأتي مكة في كل عام آمنا حرا.

***

الخصم يملي الشروط ويضع القيود

وقد وضع الخصم شروطا وقيودا أملاها بنفسه في اتفاقية الصلح.

***

اتفاقية الصلح وشروطها

قالوا: لا تكتب بسم الله الرحمن الرحيم، فإنا لا نعرف الرحمن من هو،

واكتب: باسمك اللهم. فكتب، قالوا: لا تكتب: هذا ما اتفق عليه محمد رسول الله،

فإنا لا نقر بأنك رسول الله، ولو أقررنا لما منعناك فاكتب محمد بن عبد الله. فكتب،

قالوا: من يأتي منا مسلما إليك ترده إلينا، وأما من يأتي منكم إلينا فلا نرده.

فرضي وكتب، قالوا: لا تدخل مكة هذا العام، ولا بد أن ترجع إلى عام آخر لئلا

يتحدث العرب بأن قد ضغط علينا. فكتب، قالوا: إذا دخلت بعد هذا العام، فتدخل

بسلاح الراكب وتكون السيوف في القرب. فقبل الرسول كل هذه الشروط بعد

تحققه من تشبث الخصوم وتمسكهم بها، وكان الصحابة ينتقدونها ويعترضون على

كل شرط منها، فيقنعهم الرسول بالقبول للحاجة.

وقد اشتد اعتراضهم لما وصلوا إلى أن من جاء إليهم مسلما يردونه ومن ذهب

منهم لا يرد إليهم، فقالوا: كيف نرد من يأتي مسلما ونحن ندعو إلى الإسلام؟

وكيف لا يرد إلينا من يذهب منا؟ حتى المساواة في ذلك لا نحصل عليها؟ فقال

الرسول: (من ذهب منا فقد أبعده الله، ومن جاءنا ورددناه فالله يجعل له فرجا

ومخرجا) يعني هذا تحكم القوي في الضعيف وللضرورة أحكام.

هكذا أملى المشركون شروط الاتفاقية حسب إرادتهم وقبلها الرسول كلها على

ما فيها من الإجحاف ليكون حرا في دخول مكة كل عام فيتمكن من الاختلاط

بالشعب، ويبث فيه ما يشاء من المبادئ والتعاليم، ويتمكن من إعداد القوة التي

يحفظ بها الحق، وكان قبل هذا لا يمكن أحدا من المسلمين أن يجهر بعقيدته خوفا من

المشركين وفتنتهم وعذابهم وشدتهم [3] .

***

حكم القرآن في الاتفاقية

وقد أنزل الله في هذه الاتفاقية الآيات المبينة أنها فتح ونصر ومغانم،

قال تعالى: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا * ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما

تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما * وينصرك الله نصرا عزيزا} (الفتح: 1- 3) وقال: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة

فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا * ومغانم كثيرة يأخذونها

وكان الله عزيزا حكيما * وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه} (الفتح: 18- 20) فتأمل قوله: فعجل لكم هذه، يعني سيكون لهم مغانم كثيرة

من وراء هذه المغانم التي كسبوها بالاتفاقية، وما الاتفاقية إلا باب لتلك المغانم

الكثيرة ووسيلة للوصول إليها، ولقد كان ما وعد الله تعالى، وتحقق نظر الرسول

وأصحابه في صلاحية الاتفاقية؛ إذ تم لهم فتح مكة والاستيلاء علي بلادهم من

جميع جوانبها والتحكم فيها بكل حرية واستقلال بعد سنتين اثنتين من إمضاء المعاهدة

{لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين

محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا

قريبا} (الفتح: 27) ، وقد أفاض بعد ذلك على العالم من مبادئه العالية ما ترون

في تاريخ الإسلام والحضارة الإسلامية، وبالإجمال كانت هجرة النبي - صلى

الله عليه وسلم - جديرة بأن تكون مبدأ التاريخ الإسلامي، وإنها لحادثة اهتز

العالم لها ونتج عنها الانقلاب الكبير في عالم المدينة وسنة الحرية والاستقلال.

***

اقتداؤنا بالرسول

وإنا نحمد الله إذ قد اقتدينا بالرسول واقتفينا أثره في الهجرة التي هاجرها وفدنا

المصري فاستحق بها فخرا، ونال من أجلها كرما وأجرا، فالله تعالى يوفقه للأصلح

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ١١