تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير} (الحجرات:

13) ، فالأكرم عند الله من يتخلق بأخلاق الله، فلا يستبد بالناس ولا ينقص من

حريتهم، والله تعالى قد أرسل الرسل تأييدا لهذا المبدأ، مبدأ السير بالناس إلى

الحرية لإخراجهم من الاستبداد.

***

موسى الرسول في مصر وصاحب الهجرة

تعلمون حادثة موسى لما أرسله الله لإنقاذ بني إسرائيل من استعباد فرعون،

قال الله: ﴿ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور﴾ (إبراهيم: 5) .

وما كانت الظلمات إلا السلطات الاستبدادية التي أماتت إرادة القوم، وقضت

على حريتهم وإيمانهم، وما النور إلا الاستقلال الذي فيه يحيا الشعور وينمو الإيمان

وتقوى الإرادة.

كذلك قال الله لرسوله محمد: {كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات

إلى النور} (إبراهيم: 1) .

***

إيذاء المشركين إياه

إذا علمنا أن الله بعث الرسل لهدم قواعد الاستبداد والظلم، ونشر مبادئ

المساواة والعدل، فإننا نعلم السبب في الإيذاء الذي كان يفعل بهم، والعقبات التي

كانت توضع في طريقهم، وذلك أن المستبدين بالشعب المتحكمين في رقبته يخشون

من كل مبدأ يزلزل استبدادهم، ويخافون من كل عمل يوجد المساواة بينهم وبين

المغلوبين لهم، المقهورين بسلطتهم، فلذا تراهم عندما يشعرون بمصلح يأخذون في

محاربته ويسعون في صده عن سبيله بكل ما يستطيعون.

***

الحيلولة بينه وبين الشعب

ولعلمهم بأن الشعب يتأثر بهذه المبادئ تجدهم يحرصون على أن يحولوا بين

هذا المصلح والشعب، فالشعب المحكوم بالاستبداد مهما جبن ومهما ضعفت إرادته

فإنه باستماعه مبادئ الحرية وتكريرها على نفسه تنبعث فيه روح العمل لها فيخشى

المستبدون ذلك، ولا يمكنون المصلح منه، وانظر قول الله في أعداء الرسول لما

كانوا يرونه متصلا بالشعب يتلو آيات القرآن: {وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا

القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون} (فصلت: 26) .

***

صبر النبي وقوة إرادته

وأخيرا تضايقوا منه [1] فرجعوا إلى عمه أبي طالب، وكانت صلته به تحميه

من القتل، فقالوا: قل لابن أخيك يرجع عما هو فيه، وإلا نكون في حل مما نوقعه

به. فلما عرض عليه عمه ذلك تحمس وقال: والله يا عم لو وضعوا الشمس في

يميني والقمر في يساري ما رجعت عن دعوة ربي حتى أبلغها أو أموت دونها.

فنعمت هذه الروح العالية، وبعثت هذه المبادئ الغالية.

***

سبب هجرته

لما مات عمه تآمر الخصوم على قتله، فأوحى الله إليه بأن يهاجر إلى يثرب

حيث يجد الأنصار والمساعدين فيعمل على تقوية نفسه ونشر مبادئه طوعا لربه.

في الله والأوطان سعي مهاجر ... لله لم يجبن ولم يتأثم

لم يرض يثرب بعد مكة موطنا ... إلا خضوعا للمليك الأعظم

ما زال فيها غاديا أو رائحا ... أبدا يحن إلى الحطيم وزمزم

علم النبوة والمفاخر كلها ... وخلاصة الشرف الذي لم يثلم

علمتنا حب البلاد عقيدة ... لا يعلم الإيمان ما لم تعلم

ولقد هديت من الضلالة أمة ... لولاك لم تنهض ولم تتقدم

وألنت جانبها وصعب شكيمها ... بروائع الآيات لا بالمخذم

وأخذت من ميسورها ما يتقى ... بقليله غيظ الفقير المعدم

وعقدت في عنق القوي ضمانة ... تغني الضعيف عن الظبى والأسهم

كانت هجرته سببا في أنه قابل ناسا تمكن من نشر دعوته فيهم وتقوى

بنصرتهم، وكان على الدوام يحن إلى دياره التي احتلها الخصوم وأخرجوه منها.

***

مفاوضة في الصلح بين الرسول وخصومه

ذهب الرسول في أربع مائة وألف من أصحابه إلى مكة في السنة السادسة من

الهجرة، كي يزورها ويعتمر فيها، فيشرح صدره بها ويخفف من حنينه إليها،

ولما قرب منها أرسل العيون والجواسيس لتستطلع له حال الخصوم، وتبلغه ما هم

فيه من الاستعداد، ولما شاور الرسول أصحابه قالوا: ما جئنا مقاتلين، فإن منعونا

قاتلناهم. وبايعوه على ألا يفر منهم أحد، فمنعهم الخصوم وحاصروهم، وبعد

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ١٠