تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أصل تتفرع عليه تفاصيلها:

أحدها تكثير القليل؛ كقول عمرو بن كلثوم:

ملأنا البر حتى ضاق عنا ... وظهر البحر نملؤه سفينا

فإنه اطرد في حلية الفخر حتى وصل إلى التعبير عن منعة الجانب،

والسطوة التي لا يفوتها هارب، فخطر له أن يثبت له ولقومه من القوة ووسائل

الفوز ما يرهبون به عدوهم، فذكر أنهم ملؤوا البر جندا حتى لم يبق فيه متسع،

ويملؤون ظهر البحر بالمنشآت من السفن؛ ليدل بهذا على أنهم لا يبالون بالعدو من

أي ناحية هجم، ولا يتعاصى عليهم إدراكه في أي موطن ضرب بخيامه.

والذي صنع خيال الشاعر في هذا البيت أنه تجاوز في الإخبار بكثرة قبيلته

وسفنه حد الحقيقة، وتطوحت به نشوة الفخر إلى أن تخيل أن البر قد غص كما

تغص الثكنة بجنودهم، وأن البحر يتموج بسفنهم كموج السماء المصحية بكواكبها

الزاهرة.

ومنها: تكبير الصغير كقول بشر يصف (وقعة الأسد) حين قسمه بالضربة

القاضية على شطرين:

فخر مضرجا بدم كأني ... هدمت به بناء مشمخرا

فقد تخيل عندما سقط الأسد إلى الأرض دفعة أنه أتى إلى بناء شامخ ونقضه من

أساسه، فانقضت أعاليه على أسافله، فالخيال هو الذي بلغ بجثة الأسد إلى أن

جعلها في العظم بمقدار بناء ارتفعت شرفاته حتى اتخذت من السحب أطواقا.

ومنها: تصغير الكبير كقول المتنبي:

كفى بجسمي نحولا أنني رجل ... لولا مخاطبتي إياك لم ترني

وقوله:

ولو قلم ألقيت في شق رأسه ... وخط به ما غير الخط كاتب

فالصب وإن تقلب على فراش الهجر أمدا طويلا، وأكل الوجد من لحمه حتى

شبع، وشرب من دمه حتى ارتوى، لا يصل في نحافة جسمه إلى أن يسعه شق

رأس القلم أو يخفى عن عين الناظر إليه، وإن كانت عشواء، وإنما هو الخيال أخذ

يستصغر ذلك الجسم حتى ادعى في البيت الأول أن مخاطبته للناس هي التي تهديهم

إلى مكانه فيبصرونه، ولولاها لبقي محجوبا عن أبصارهم وإن وقف قبالتهم،

وادعى في البيت الثاني أنه لو وقع في شق اليراعة، وانطلقت به اليد في الكتابة

لاستمر الخط بحاله.

ومنها: جعل الموجود بمنزلة المعدوم كقول المتنبي:

ومطالب فيها الهلاك أتيتها ... ثبت الجنان كأنني لم آتها

وصف نفسه بالإقدام على مواقع الردى واقتحام الأخطار بجنان ثابت وعزم لا

يتزلزل، حتى تخيل لقلة المبالاة بها وعدم الفزع لملتقاها أنه لم يكن قد خاض

غمارها، ورآها كيف تنشب أظفارها، وإنما نشأ هذا الخيال من جهة أن الخطوب

المدلهمة لا يسلم من روعتها والدهشة لوقعتها في مجرى العادة إلا من حاد عن

ساحتها، وجذب عنانه عن السير في ناحيتها.

ومنها: تصوير الأمر بصورة حقيقة أخرى، ولها في هذا المقام أربعة أحوال:

أحدها: تخيل المحسوس في صورة المحسوس كما في قول زهير:

يجرون البرود وقد تمشت ... حميا الكأس فيهم والغناء

تمشي بين قتلى قد أصيبت ... مقاتلهم ولم تهرق دماء

فهذا الشعر يصور لك من دارت نشوة السكر والغناء برؤوسهم، فأجهزت على

البقية من شعورهم، في صورة قتلى لم تهرق دماؤهم، بل زهقت نفوسهم

بمثل خنق، أو سقاء سم دب دبيب الخمر في مفاصلهم.

ثانيها: تخيل المعقول في صورة المحسوس كما في قول الشاعر:

مررت على المروءة وهي تبكي ... فقلت علام تنتحب الفتاة

فقالت كيف لا أبكي وأهلي ... جميعا دون خلق الله ماتوا

تصور المروءة في زي فتاة، فتسنى له أن يسند إليها البكاء ويعقد بينه

وبينها هذه المحاورة.

ثالثها: تخيل المعقول في معنى المعقول، وهذا كمن تخيل المذلة في معنى

الكفر فقال:

أمطري لؤلؤا جبال سرنديب ... وفيضي أجبال تكرور تبرا

منزلي منزل الكرام ونفسي ... نفس حر ترى المذلة كفرا

رابعها: تخيل المحسوس في صورة المعقول، وهذا لم نعثر له على مثال في

كلام العرب، ولكن التشبيه الذي هو أساس هذا الفن قد جرى في كلام المولدين

بإيراد المحسوس في معرض المعقول، كقول التنوخي:

فانهض بنار إلى فحم كأنهما ... في العين ظلم وإنصاف قد اتفقا

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ١٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ١٠٣