لوعة الفراق.
ولو نظر شاعر إلى أزهار مفتحة بمكان منخفض من الأرض، وقال مثلا:
هذه الأزهار في منظرها ... وشذاها مثل أزهار الربا
لاستبردت شعره لأول وهلة، وأخذت تهزأ به كما هزأت بقول الآخر:
كأننا والماء من حولنا ... قوم جلوس حولهم ماء
بيد أن ذلك التشبيه نفسه لو يصدر من العالم بالنبات في الرد على من يدعي
أن هذه الأزهار ليس لها لون ولا نفحات عاطرة، كالأزهار التي تنبت على الربا
لأصغيت إليه سمعك، وتلقيته منه بكل وقار، وما ذاك إلا لأن الأول قاله بوصف
كونه شاعرا، ولم يأت فيه على عادة الشعراء بشيء من التخييل، وأما الثاني فإنما
ألقاه إليك في صدد البحث عن الحقيقة، فلا تنتظر منه أن يصله بشيء من عمل
الخيال.
والاستعارة يصنع فيها الخيال ما يصنع في التشبيه المجرد من الأداة، إلا أنها
تعرض عليك المشبه في صورة المشبه به على وجه أبلغ، ولا سيما إذا أضيف
إليها بعض معان عهد اختصاصها بنوع المشبه به، أعني ما يسميه البيانيون
ترشيحا، ومن أبدع ما نسج على منوالها قول البارودي:
من النفر الغر الذين سيوفهم ... لها في حواشي كل داجية فجر
إذا استل منهم سيد غرب سيفه ... تفزعت الأفلاك والتفت الدهر
أراد الشاعر وصف قومه بأنهم أولو الصرامة التي تفرج الكرب المدلهمة،
والسطوة التي يرهبها كل خطير، فساق إليك هذا الغرض في صورة تنظر منها إلى
سيوفهم كيف تجرد حول الليلة الفاحمة، فيسطع نور الفجر الواضح في جوانبها،
وترى فيها الحسام الواحد كيف يسل من جفنه فترتعد الأفلاك ذعرا، ويلتفت له
الدهر حذرا خيل إليك أن الداهية ليلة ظلماء، وأن الفرج الذي ينبعث من مطلع
سيوفهم صبيحة غراء، وعبر عن الأولى باسم الداجية، وعن الثانية باسم الفجر،
وهذا التعبير الملوح إلى ذلك التخييل هو الذي يعنيه البيانيون بقولهم: استعارة
مصرحة.
ثم خيل الفلك إلى صورة من له قلب يفزع، والدهر في صورة من له وجه
يلتفت، والتصريح باسمهما بعد هذا التخييل يدخل به الكلام فيما يطلقون عليه لقب
الاستعارة بالكناية، ويمكنك أن تفهم الفجر في البيت لمعان السيوف، وتألقها
المشاهد بالأبصار على نمط قول بشر:
سللت له الحسام فخلت أني ... شققت به لدى الظلماء فجرا
ولكنك تضيع من يدك ما أفاده الوجه الأول من أن النجدة في جانبها، والظفر
مقرون بطالعها؛ إذ لا يلزم من لمعانها في حواشي الداجية أن تطعن في لبتها،
وتقلبها بالفوز عليها إلى صبيحة مسفرة [1] .
ومن التخييل الذي لا يدخل له الشاعر من طريق تشبيه أو مجاز ما تشهد
لصاحبه بالحذق في الصناعة، وأنت تشعر بأنه عرض عليك الموهوم في حلية
المعقول كقول الطائي:
ولا يروعك إيماض القتير به ... فإن ذاك ابتسام الرأي والأدب
أخبر عن الشيب بأنه ابتسام الرأي والأدب الذين هما محبوبان
ومحترمان لكل أحد ابتغاء أن تأنس العين لرأيته، ولا تنظر إليه نظر الازدراء به،
وليس هذا من قبيل التشبيه؛ إذ لم يكن للرأي والأدب ابتسام يعهده السامع حتى
يقصد الشاعر إلى تشبيه الشيب به، بل أراد أن يخيل لك أن الشيب ابتسام في
الواقع، ولهذا تجد في نفسك ما يناجيك بأن صورة هذا المعنى غير مطابقة للحق،
وإن استحكم تأليفها ودق مأخذها.
ومنه ما يستملحه الذوق ويسعه نظر المحقق، وتجد هذا في قول زهير:
لو نال حي من الدنيا بمكرمة ... أفق السماء لنالت كفه الأفقا
فهذا البيت لم ينسج على منوال تشبيه أو مجاز، وليس لك أن تطرحه من
حساب التخيلات المقبولة، وبلوغ كف الممدوح الأفق لا يتفق مع النظر الصحيح،
غير أن تعليقه على حصوله لإنسان من قبل، وإيراده عقب حرف الشرط الدال
على امتناعه قد خلصه من زلة الكذب وجعله في منعة من أن ينبذه العقل إلى
القضايا الوهمية.
***
فنون الخيال
يتصرف الخيال في المواد التي يستخلصها من الحافظة على وجوه شتى، ولا
يسع المقام استيعابها وتقصي آثارها، فنلم لك بمهماتها وما يصلح أن يكون بمنزلة