تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقول الفاروقي:

تمر مع الأتراب بالخيف من منى ... مرور المعاني في مفاوز أفكاري

وقد يعمد الشاعر إلى بعض المعاني وينفيه عن أفراده المعهودة ويثبته

لأفراد مفهوم آخر، وتجد هذا في قول بعضهم:

ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميت الأحياء

إنما الميت من يعيش كئيبا ... كاسفا باله قليل الرجاء

فقد نفى أن يكون من قضى نحبه ميتا، وأطلق اسم الميت على من فاضت

نفسه كآبة، وضاق صدره يأسا على طريقة القصر بدعوى أن المعنى الذي علق

عليه الواضع اسم الميت إنما يتحقق فيمن عاش في نكد وبلاء لا يرجو خلاصا منه،

والذي أخذ به إلى هذه الدعوى ما تخيله من أن خواص الراحل إلى قبره وهي

مفارقة ما كان يتمتع به من طيبات الحياة وانقطاع أمله منها، ونكث يده من العمل

فيها توجد بأجمعها في الكئيب اليائس من صفاء العيش بأشد مما توجد فيمن ركبوا

على مطية المنون؛ لأنه يزيد عليهم في الشقاء بأنه يصلى نار الحسرة والأسف

بكرة وعشيا.

وقد يكون الأمر مربوطا بعلة محققة ظاهرة، فيضرب عنها ويخترع له

علة من عنده، ونجد هذا في قول أبي العباس الضبي:

لا تركنن إلى الفراق ... فإنه مر المذاق

فالشمس عند غروبها ... تصفر من فرق الفراق

ادعى أن العلة في الاصفرار الذي يبدو على وجه الشمس حين تتدلى إلى

الغروب وتنطفئ بهرتها، إنما هو الوجل والهلع من مفارقة الناس الذين طلعت

عليهم ذلك اليوم حيث اتصلت بينهم وبينها فيما يزعم عاطفة ألفة وإيناس.

ومما صنعت على هذا النمط، وقد أخذ البرد يتساقط في حديقة:

هز النسيم غصون الروض في سحر ... كما يهز بنان الغادة الوترا

لذ الحفيف على أذن السحاب أما ... تراه يحثو على أدواحها دررا

وقلت وقد أخذت الريح تنسف في روض:

قام هذا الروض يشدو مادحا ... بلسان البلبل الزاهي سحابا

وتمادى غاليا في مدحه ... فحثت في وجهه الريح ترابا

وقلت في حال أشجار تراكم عليها الثلج، ثم ضربت فيها الشمس فأخذ

يتقاطر على جوانبها:

نسج الغمام لهذه الأشجار من ... غزل الثلوج براقعا وجلاببا

والشمس تبعث في الضحى بأشعة ... تسطو على تلك الثياب نواهبا

فبكت لكشف حجابها أو ما ترى ... عبراتها بين الغصون سواكبا

وقلت في حمرة الشفق:

قتل الدجى هذا النهار ودسه ... تحت التراب مضرجا بدمائه

فخذوا من الشفق الشهادة إنه ... لطخ من الدم نال ذيل ردائه

وربما يصاغ التعليل في قالب التشبيه كقول أبي تمام:

كأن السحاب الغر غيبن تحتها ... حبيبا فلا ترقا لهن مدامع

فلو حذفت أداة التشبيه هنا لكان الباقي بمنزلة العلة الخيالية لنزول الغيث

المنسجم من ينابيع السحاب، واقترانه بأداة التشبيه يجعله بحيث يسكت عنه العقل

ولا يمانعه من أن يدخل في سبيل المعاني الصادقة.

ومما نظمت على هذا المثال وكان الجو يقذف وقت السحر بنثار من الثلج:

تطاول هذا الليل والجو مزبد ... فضاقت بأمواج الثلوج مسالكه

كأني أذيب الصبح بالحدق التي ... يقلبها وجدي وتلك سبائكه

وقد يقرر الشاعر معنى، ثم يقابله بأمر أوضح منه عند المخاطب دون أن

يصرح فيه بأداة تشبيه، بل تكون مصدرة بأداة استفهام، كقول مسكين الدارمي:

وإن ابن عم المرء فاعلم جناحه ... وهل ينهض البازي بغير جناح

أو بأداة التوكيد بالفاء كقول بشار:

فلا تجعل الشورى عليك غضاضة ... فإن الخوافي قوة للقوادم

أو بالفاء وحدها كقول بعضهم:

لا تحسبوا أن رقصي بينكم طرب ... فالطير يرقص مذبوحا من الألم

ولنوجه البحث إلى معنى البيت الأول، ثم لا يشتبه عليك بعد تحرير

الغرض منه أن بقية الأبيات جارية بمعنى التمثيل، أو ذاهبة مذهب الاستدلال

والتعليل.

صدر الدارمي البيت بجعل ابن عم المرء بمكان الجناح له، والشطر الثاني

ينفي عن البازي أن ينهض بغير جناح، ومعنى الشطرين لا يلتئم إلا بملاحظة

جملة مطوية ما بين الصدر والعجز لم يفصح عنها الشاعر لسهولة مأخذها، وبعد

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ١٠٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ١٠٤