المثال الثاني :
ويقول الإمام مسلم ـ رحمه الله ـ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا زيد بن حباب ، حدثنا عمر بن عبدالله بن أبي خثعم ، حدثي يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة عن أبي هريرة : أن رجلاً قال : يا رسول الله ! ما الطهور بالخفين ؟ قال : للمقيم يوم وليلة وللمسافر ثلاث أيام ولياليهن
وقال مسلم في صدد تعليله : هذه الرواية في المسح عن أبي هريرة ليسن بمحفوظة ، وذلك أن أبا هريرة لم يحفظ المسح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لثبوت الرواية عنه بإنكاره المسح على الخفين .
وبعد أن ساق الرواية الصحيحة عن أبي هريرة ، قال : ولو كان قد حفظ المسح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان أجدر الناس وأولاهم للزومه والتدين به ، فلما أنكره الذي في الخبر من قوله : (( ما أمرنا أن نمسح على جلود البقر والغنم )) . والقول الآخر : (( ما أبالي على ظهر حمار مسحت أو على خفي )) بأن ذلك أنه غير حافظ للمسح عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وأن من أسند ذلك عنه عن النبي واهي الرواية ، أخطأ فيه إما سهواً أو تعمداً .
ثم قال : فيجمع هذه الروايات ومقابلة بعضها ببعض ، تميز صحيحها من سقيمها ، وتبين رواة ضعاف الأخابر من أضدادهم من الحفاظ ، ولذلك أضعف أهل المعرفة بالحديث عمر بن عبدالله بن أبي خثعم وأشباهه من نقلة الأخبار لروايتهم الأحاديث المستنكرة التي خالف روايات الثقات المعروفين من الحفاظ(1) .
وهذا رسم واضح لمنهج النقاد في نقد الأحاديث بحيث يؤكد لنا على أن موافقة الراوي للواقع ومخالفته له في المقاييس لتحديد أحواله ، والركائز الأساسية للتصحيح والتعليل ، فعمر بن عبدالله أصيح واهماً في نسبته لهذا الحديث إلى أبي هريرة ، وذلك لمخالفته للواقع الذي يجزم بأن أبا هريرة لم يحفظ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في مسألة مسح الخفين شيئاً .
(1) التمييز ، ص208 ـ 209 .