تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الخاتمة

ستخلص من البحث أهم النقاط العلمية ، وهي أن علوم الحديث قد تناولتها مجموعتان كبيرتان ، تتميز كل منهما عن الأخرى بالمناهج والمفاهيم والأعراف العلمية . إحداهما تمثل الجانب العملي التطبيقي ، والثانية الجاني النظري .

أما المجموعة التي عالجت علوم الحديث عملياً فهم المعنيون بـ (( المتقدمين )) وهم نقاد الحديث ، وعنهم انبثقت معظم المصادر الحديثية التي تعطي لنا صورة واضحة لمحتوى علوم الحديث المتداولة بينهم ، وفي طليعتها الصحيحان : صحيح البخاري وصحيح الإمام مسلم .

وميزة هذه المجموعة أنها لا تتلقى الأحاديث والآثار ولا تتدوالها إلا عن طريق الرواية الشفهية المباشرة ، ولهذا يدعى عصرها (( عصر الرواية )) ، ويمتد من القرن الأول الهجري إلى منتصف القرن الخامس الهجري تقريباً .

وأما المجموعة الثانية فتناولت هذا العلم نظرياً باستخراج المصطلحات ووضع التعاريف ، وتنظير القواعد اعتماداً على ممارسات المتقدمين في مجال النقد ، وهم المعنيون بالمتأخرين ، والأمر الذي يميزهم عن المجموعة الأولى ظاهرة الاعتماد على الكتب والمدونات في نقل الأحاديث والآثار ، مكان الرواية الفردية المباشرة ، إضافة إلى ظهور المبادئ المنطقية وتغلغل آثارها في كافة العلوم الشرعية ، لا سيما في التعاريف والحدود .

ومن خلال التأني في تتبع المظاهر العلمية التي كانت تسود هاتين المرحلتين ، ويعد إجراء المقارنة بين الجاني التطبيقي لمحتوى علوم الحديث المركز عليه في عصر المتقدمين ، وبين الجانب النظري عند المتأخرين تبين لنا خلاف جوهري ، وتباين منهجي بينهم في كثير من المصطلحات الحديثية ، والقضايا النقدية ، يجب على المشتغل بالحديث وعلومه التفطن إليه ، كي يتحاشى الآثار السلبية المترتبة عن الخلط بينهم ، وهي كثيرة ، وإن كافة المعضلات العلمية التي تثير الاضطراب في ضبط مبادئ علوم الحديث ومصطلحاته هي من نتائج هذا الخلط .

ومن أخطرها ما راج بين الكثيرين من (( أن نقدة الحديث إنما عنوا عناية فائقة بنقد الأسانيد والرواة ، وأما المتون فليس من شأنهم النظر فيها ، لكونهم قليلي الفقه )) ، مما دفع ببعضهم إلى تبني محاكمة الأحاديث إلى القرآن والعقل كمنهج علمي ، بديلاً عن منهج المحدثين ، إضافة إلى مفاهيم خاطئة ، ومناهج مختلطة ترسخت في دراسة الكثيرين من أهل الحديث المعاصرين ، وكل هذا وقع في غياب الجوانب العلمية التطبيقية في المرحلة الأولى ، وفي ظل الاتكال على الجانب النظري عند المتأخرين .

إن المظاهر العلمية التي تميز عصر الرواية تقطع بأنه علوم الحديث تضم جانبين : الجانب الأول ما يتعلق بمعرفة الصحيح والسقيم ، والجانب الثاني : ما يتصل بفقه الحديث وفهم معناه . لهذا قال علي بن المديني : (( التفقه في معاني الحديث نصف العم ، ومعرفة الرجال نصف العلم )) .

وقال الإمام أحمد : (( إن العالم إذا لم يعرف الصحيح والسقيم والناسخ والمنسوخ من الحديث لا يسمى عالماً )) . وهو الذي يؤكد عليه جميع الكتب الحديثية التي ظهرت في عصر النقاد ، كالجوامع والسنن التي روعي في ترتيبها النسق الفقهي ، وفي مقدمتها (( الجامع الصحيح )) للإمام البخاري ، وقد ركزنا على هذا الجانب ، وأفضنا فيه .

والذي أود إبرازه هنا هو الناحية النقدية التي تشكل أهم جوانب علوم الحديث ، والسبيل الوحيد للتعرف عليها هو دراسة صحيح الإمام البخاري ، وصحيح الإمام مسلم دراسة تحليلية معمقة ، باعتبار أن كليهما ميدان تطبيقي لذلك ، وفضلاً عن دراسة الصحيحين يجدر بالباحث المدقق أن يقارن (( بالتاريخ الكبير )) للإمام البخاري ، و (( كتاب العلل الكبير )) للإمام الترمذي الذي جمع في نصوص شيخه البخاري ، وكتاب (( التمييز )) للإمام مسلم ، وسائر كتب العلل التي تحتوي على القدر الأكبر من الروايات المعلولة ، والتي تعتبر من بقية المرويات التي اصطفى منها الإمامان تلك الأحاديث الصحيحة على أسس علمية متينة ، بحيث تبرز الدراسة ما أودع كل منهما في تضاعيف الصحيحين من الفوائد الإسنادية ، والنقدية ، وتبلور المنهج العلمي المتبع لديهما في معرفة الصحيح والسقيم ، وكشف أوهام الرواة ، وحتى أغلاط الأئمة الأجلاء ، وافتراءات المغرضين وحيلهم وانتحالاتهم .

بعد دراسة تحليلية في كتب العلل ، وكتب الضعفاء ، والصحاح ، والسنن وغيرها من المصادر الحديثية التي وضعت في ضوء قواعد التصحيح والتعليل ، أو الجرح والتعديل ، في المرحلة الأولى ، ويعد التتبع العلمي لها عن كثب ، استطعنا ـ بفضل الله تعالى ـ أن نستخلص طبيعة مسلكهم في نقد الأحاديث كما يلي :

يصحح الإمام البخاري وغيره من النقدة أصناف الأحاديث متى تأكدوا ، وتحققوا من صدق كل راو من رواتها في سلسلة الإسناد ، وإصابته في عزوها لمن فوقه كما سمعها منه ، سواء رواها الثقات أو الضعفاء غير المتهمين ، كما يردونها عند شعورهم القوي بخطأ أحدهم ووهمه ، سواء كان ثقة أم ضعيفاً ، أو قد كذب وافترى ، وهناك أمور كثيرة تعتبر أساساً في تحري صدق الراوي فيما حدث به ، وإتقانه له ، أو خطئه ووهمه فيه ، أو كان كذبه ووضعه له .

وأما بخصوص تحري الصدق والإتقان فكأن يروي الراوي حديثاً يوافق المعروف عن شيخه ، أو عمن فوقه ، أو عن الصحابي ، أو عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الله عليه وسلم ، أو يوافق ما كان عليه عمل الصحابة ، فإن موافقته للواقع دليل على صدقه وحفظه وضبطه ، وحين تصبح الموافقة سمة بارزة له فإن نقاد الحديث يصفونه بما يدل عليها بدقة ويصفونه في زمرة الثقات .

فمعرفة حال الراوي ومستوى ضبطه وإتقانه متوقفة إذن على تقييم أحاديثه ورواياته ، والأول تابع للثاني ، وبالتالي لا يمكن أن تصبح صفته وحاله منطلقاً رئيسياً للحكم على حديثه في منهج المتقدمين ، ومن هنا نلفيهم يصححون الأحاديث من مرويات الضعفاء متى أصابوا فيها ويحتجون بها ، وصحيح الإمام البخاري وصحيح الإمام مسلم يؤيدان ذلك ، وقد جمع الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري أسماء الضعفاء والمتكلم فيهم الذين أخرج لهم الإمام البخاري ما صح من أحاديثهم .

فهذه الحقيقة العلمية الملموسة في نقدهم تفند ما راج بين الكثيرين من أن المحدثين صححوا الأحاديث في سلسلة الإسناد دون المتن ، حيث إن علم الرجال ثمرة لجهود لمتقدمين في نقد المرويات .

أما معرفة خطئه ووهمه ، أو كذبه وافترائه ، فكأن يروي حديثاً يخالف الثابت عن شيخه أو عمن فوقه ، أو عن الصحابي ، أو عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الله عليه وسلم ، أو يخالف الواقع المعمول به لدى الصحابة ، أو أن ينفرد في حديثه بشئ ليس له أصل عند شيخه ، من فوقه ، أو عند الصحابي ، أو عند النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الله عليه وسلم ، ولم يؤيده عمل الصحابة والتابعين .

فإن هذا النوع من المخالفة والتفرد دليل قاطع على خطأ الراوي ووهمه أو كذبه ووضعه ، لأنه من كذب وافترى فمصيره أن يخالف الواقع ، أو أن ينفرد بما لا أصله له ، وكذا الأمر أخطأ ووهم ، وبقدر وقوع المخالفة والتفرد ، ونوعية كل منهما يقع تصنيف الرواة ، إما في الضعفاء أو المتروكين ، أو الكذابين .

وجدير بالذكر إن المخالفة والتفرد على الصور المذكورة هما المقصودان في مفاهيم الشاذ والمنكر ، وليس كل أنواع المخالفة والتفرد داخلة فيها ، فإن منها ما هو ناتج عن كثرة الضبط والإتقان ، وهذا النوع من المخالفة والتفرد لا يكون شاذاً ولا منكراً ولا مردوداً ، بل يكون صحيحاً مقبولاً ، وإن كان ظاهر القول الذي يربط الشذوذ بهما يوهم الإطلاق فيها فإن الأمثلة التي ساقوها وقرائن أخرى تؤكد ذلك الذي ذكرناه .

في ظل هذه الحقائق العلمية الملموسة فإن الحكم على الحديث تصحيحاً وتضعيفاً ، قبولاً ورداً ، لم يقع من المحدثين النقاد بالاعتماد على صفة الراوي ، بغض النظر عن المتون والأمور المحيطة بها ، وإنما يقع ذلك بناء على معرفة موافقة راويه للواقع ، أو مخالفته له ، أو تفرده بما لا أصل له ، ولو كان الراوي إماماً جليلاً .

وإن كانت الركيزة الأولى الأساسية للحكم على الحديث هي معرفة موافقة راويه للواقع أو مخالفته له أو تفرده بما لا أصل له ، فإن الناقد ينبغي أن تتوفر فيه من الأمور ما يؤهله لمعرفتها ، ومن أهمها الفقه وحفظ الأحاديث وضبطها واستيعاب طرقها ومعرفة رواتها ، وإلا فإنه لا يعرف الواقع ، ولهذا فإن النقاد كانوا يهتمون بشقي علوم الحديث ، وهما الجانب الفقهي وجميع ملابساته والجانب النقدي وسائر ما يتصل به ، كما سبق تفصيله .

ويلاحظ مما ذكرنا : أن ما يتجه إليه اهتمام الناقد في نقده بادية هو ما ذكره الراوي عن شيخه : هل حدث شيخه بهذا السند هذا الحديث ؟ أو حدث بسند آخر ؟ أو حدث بهذا السند متناً آخر ؟ أو لم يحدث به أصلاً ؟

والنقد الذي يرتكز أساساً على هذه المحاور لا يتم في حالة ما ؟ إذا فصل الإسناد عن المتن ، وغض النظر عنه ، إلإسناد لا يتحقق له وجود إلا باعتبار متنه ، وبالتالي لا يستحق أي حكم ، إلا إذا صار النظر شكلياً ، كأن يدرس تراجم رواه الإسناد ، وإمكانية اللقاء بينهم ، دون ربطه بالواقع الجزئي الذي بصدده هذا الإسناد ، فعندئذ يصبح الحكم الذي صدر عن الباحث حكماً عاماً لا علاقه له بما وقع ، وهذه دراسة المعاصرين خاصة والمتأخرين عامة إلا المحققين .

وإذا صدر عن الناقد حكم بأن الإسناد صحيح فمعناه أن كل راو من السند صادق ومصيب في قوله ، وعزوه لمن فوقه ، وبذلك يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قاله ، ولا يصح القول أبداً إن السند صحيح والمتن ضعيف ، أو موضوع ، لأن الخلل الوارد في متن إنما هو من جهة أحد رواته ، فيصبح تصحيح الإسناد حكماً مناقضاً للواقع الذي يقضي بوجود خاطئ أو كاذب في ذلك الإسناد ، وإلا فإن الخطب الجلل لما يلزم منه نسبة الخطأ أو الكذب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وأما ما شاع لدى المتأخرين من ذلك الإطلاق فإنه لا يعدو كون الرواة ثقات فقط ، لا أكثر ولا أقل .

وصفوة القول فإن نقد المحدثين في المرحلة الأولى نقد علمي متكامل بجميع عناصره ، لا يفصل الإسناد عن المتن ، حيث يقوم أساساً على المعرفة الحديثية والفقهية ، ومن ثم أصبحت علوم الحديث تحوي هذين الجانبين دون فكاك .

إضافة إلى قضايا أخرى تطرقنا إليها نظراً لأهميتها البالغة ، مثل مسألة تدوين السنة ، ومحاكمة الأحاديث إلى القرآن بغرض معرفة صحتها وكذبها ، وضرورة التفريق بين الغريب الشاذ وخبر الآحاد ، وسر إهمال النقد لبيان الوضع في الأحاديث بياناً مفصلاً ، في حين أنهم نشطوا في كشف عللها ، وعناية المحدثين النقاد بنقد المتون ، ورد الشبهات حولها ، وغيرها من الأمور التي وجدناها بحاجة إلى إبراز الواقع فيها .

كتبت لك ـ يا أخي العزيز ـ هذا البحث ، بفضل من الله سبحانه وتعالى ، ولا أريد إلا أن أرسم لك منهج المحدثين النقاد . الذي تسعى إليه من وراء دراسة مصطلح الحديث ، وأن أحملك على أن تحذو حذوهم في نقد الأحاديث . والله الموفق .

رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً ، والحمد لله رب العالمين .

ـ تمّ بعون الله ولله الحمد والشكر ـ

نظرات جديدة في علوم الحديث · الصفحة ٣٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

نظرات جديدة في علوم الحديثص ٣٦