المعنيون بالمتقدمين والمتأخرين
إن المسيرة التاريخية للسنة النبوية يتعين تقسيمها إلى مرحلتين زمنيتين كبيرتين ، لكل منهما معالمهما وخصائصهما المميزة ، وآثارها المختلفة .
فأما الأولى فيمكن تسميتها بـ (( مرحلة الرواية )) وهي ممتدة من عصر الصحابة إلى نهاية القرن الخامس الهجري ، تقريباً ، وأبرز خصائصها كون الأحاديث لا تتلقى فيها ، ولا تنقل إلا بواسطة الأسانيد ، والراوية المباشرة ، والإسناد في هذه المرحلة يشكل العمود الفقري ، عليه يتم الاعتماد في تلقي الأحاديث والآثار ونقلها .
وأما المرحلة الثانية فيمكن تسميتها بمرحلة ما بعد الرواية ، وفي هذه المرحلة آلت ظاهرة الإسناد والرواية المباشرة إلى التلاشي لتبرز مكانها ظاهرة الاعتماد على الكتب التي صنفها حفاظ المرحلة الأولى وتقليدهم فيها ، وبينما كانت الكتب المصنفة في المرحلة الأولى تنقل الأحاديث بأسانيدها الخاصة ، فإن جل الكتب التي ظهرت في المرحلة الثانية إنما تنقل الأحاديث بالاعتماد على الكتب السابقة ، وإن كانت أساليب النقل وطرق الأخذ تختلف من كتاب إلى آخر .
فمسند الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ مثلاً ، وهو نموذج لكتب المرحلة الأولى ، عمدته في نقل الأحاديث هي الأسانيد والرواية المباشرة ولذلك يقول في كل حديث يسوقه فيه : حدثنا فلان فلان … إلى آخر سلسلة الإسناد .
وأما كتاب تفسير ابن كثير ـ مثلاً ـ وهو نموذج لكتب المرحلة الثانية ، فإن عمدته في نقل الأحاديث هي الكتب والمدونات التي ظهرت في مرحلة الرواية ، ولذلك تراه يحكي ويقول : قال الإمام أحمد في مسنده حدثنا فلان عن فلان … وهكذا ، وهذا ما جعل للمرحلة الأولى ميزة علمية تختلف عن المرحلة الثانية ، فأصبح الحفاظ المتقدمون يتسمون بالأصالة والعمدة ، بينما كان الحفاظ المتأخرون يتصفون بمظهر التقليد والتبعية في مجال الحديث ونقله وروايته .
وجدير بالذكر أن القرن الخامس الهجري من المرحلة الأولى ، والقرن السادي من المرحلة الثانية يعتبران فترتي انعطاف وتحول من مرحلة إلى أخرى إذ ظهر في كل منهما الاعتماد على الكتب والرواية المباشرة تصاعداً وتنازلاً .
وههنا لفتة علمية ، لا بد من التلويح إليها ، وهي : أن المستشرقين أثاروا جملة من الشبهات والشكوك حول السنة النبوية ، من بينها أن السنة لم تدون إلا في عهد الإمام الزهري ، أي بعد حوالي قرن من الزمن ، وهذه في الحقيقة ليست إلا كنسيج العنكبوت لا تلبث أمام الواقع الحديثي ، إن هي إلا تلبيس ، وخلط للمفاهيم .
وذلك أن ما ظهر رسمياً من الخليفة عمر بن عبدالعزيز ـ رضي الله عنه ـ من كتابه الأحاديث لم يغير شيئاً من عادة المحدثين في الاعتماد على الرواية ، فقد ظلوا يتلقون الأحاديث من شيوخهم بالرواية الشفهية ، ويعتمد كل منهم على مروياته الخاصة به ، دون الاتكال منهم على ما دونه السابق ، وإن كانت حركة التدوين تتصاعد وتتكثف يوماً بعد يوم طيلة المرحلة الأولى فإنها لم تدقع بهم إلى ترك الرواية الشفهية التي كانوا عليها منذ عهد الصحابة ، بل أصبحوا يستخرجون الحديث بسند خاص بهم ، فهذا الإمام مالك ـ رحمه الله ـ على سبيل المثال ، كل ما جمعه في كتابه الموطأ فقد اعتمد فيه على مروياته ، دون اتكاله على ما دونه شيخه الإمام الزهري في عصر الخليفة ، وكذا الإمام الشافعي تلميذ مالك لم يكن معتمداً إلا على الرواية الخاصة به ، وكذا كافة الحفاظ في المرحلة الأولى ، هذا من حهة . ومن جهة أخرى فإن ما كتبه الإمام الزهري وغيره لم يك على شاكله جمع القرآن الكريم ، الذي وقع في خلافة أمير المؤمنين أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ ، ولم يكن على صورة التدوين المتعارف عليه حالياً ، بل إنه كان مجرد جمع بعض الحفاظ لمروياتهم ، وكتابتها في صحائف بشكل منفرد ، ، حفظاً لعلمهم ، وصوناً لأحاديثهم ، وقد كان هذا مألوفاً منذ عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإن كان في تحفظ شديد . وكسر للحاجز النفسي الذي كان يحول دون كتابة الأحاديث أصدر الخليفة أمراً بكتابتها ، سيما بعد ما اعتراه قلق وخوف من ضياع العلم واندراسة بموت صاحبه .
فالذي كتبه الإمام الزهري إنما هو في الحقيقة من مروياته الخاصة به إذن ، ولم يكن ذلك على نحو تدوين عام للسنة ، كجمعها في كتاب واحد من مصادر مختلفة ، كماوقع ذلك في جمع القرآن الكريم ، ورغم ذلك فإن المحدثين لم يحيدوا عن عادة الرواية ، والاعتماد عليها في تلقي الأحاديث وقبولها ، ولا ينفك ما كتبه الإمام الزهري أو غيره أن يكون شيئاً عادياً ، بل استمراراً لمعهود كتابات بعض السابقين دونما أدنى تغيير يذكر .
ولو كان ذلك كتاباً جامعاً للسنة النبوية ، ومصادره مختلفة ، مختلفة ، واعتمد الناس عليه بعده فقد يكون فيه ما يثير الشكوك حول المصادر المعتمدة في جمع الأحاديث ، لكن ذلك لم يحدث قط ، وعليه فليس هناك ما يدعو إلى إثارة قضية التدوين البتة .
وقد بذل المحدثون في المرحلتين جميعاً جهوداً مضنية لصيانة السنة ، وحفظها ـ مباشرة كانت أم غير مباشرة ، فعناية المحدثين في الأولى صارت منصبة على نقلة الأخبار ورواتها والبحث عن أحوالهم والتفتيش في مروياتهم ، ومن ثم أصبحت السنة محل دفاعهم المباشر ، وأما في المرحلة الثانية فقد توجه اهتمام الأئمة إلى حفظ وصيانة الكتب والدواوين المنقولة عن السابقين ـ سواء حوت الأحاديث ، أو لا ـ وبذلك أصبحت الكتب والدواوين محل عنايتهم المباشرة .
فالمواد العلمية التي تشكل المحاور الرئيسية في علوم الحديث من المصطلحات ، وقواعد التصحيح ، وقواعد التصحيح والتعليل ووسائل معرفة الخطأ والصواب ، وأصول الجرح والتعديل إنما انبثقت من الجهود النقدية التي بذلها المحدثون النقاد في المرحلة الأولى ، بينما أسفرت الممارسات العلمية في المرحلة الثانية عن أنواع جديدة من الضوابط من شأنها توثيق الأصول والفروع من نسخ الكتب ونقلهما إلى الأجيال اللاحقة بعيداً عن احتمال التحريف والتزوير والانتحال .
فبذلك أصبح النقاد في المرحلة الأولى العمدة في مباحث علوم الحديث ، والمصدر الرئيسي لمصطلحاتها ، وأما المتأخرون فتتبع لهم يتمثل دورهم في النقل والتهذيب والاستخلاص ، والاختصار دون التأسيس والإبداع ، كما شهد بذلك الواقع ، فمن الطبيعي إذن بروز تباين منهجي بين حفاظ المرحلة الأولى وأئمة المرحلة الثانية في مجال علوم الحديث .
إلى جانب التأثير المنطقي الذي لم يفلت منه علم من العلوم الشرعيةفي مرحلة ما بعد الرواية ، فإنه قد لعب دوراً قوياً لتعميق الهوة بينهم ، حيث إن معظم التعاريف للمصطلحات بدأت تأخذ صبغة منطقية ـ كأن يكون الترعيف جامعاً مانعاً موجزاً واضحاً ـ بينما كان الأمر في المرحلة الأولى غير ذلك ، إذ إن أكثر ما يذكر في سبيل التعريف والتوضيح لا يخلو من غموض ، أو من تطويل ، أو لا يكون مانعاً ، أو لا يكون جامعاً ، فإنهم يعطون للمناسبات والقرائن وحالة المخاطبين أهمية بالغة ، ولهذا يكتفون غالباً في كلامهم بالإشارات والألغاز ، كارهين فيها التطويل ، ومقتضى ذلك ضرورة الاعتبار بمناسبات كلام النقاد وتعابيرهم الفنية كي تتضح مقاصدهم ، فإن العديد من تعاريف المصطلحات التي استقر عليها المتأخرون لا يصلح التقيد بها في كثير من المواضع ، لأنها وقعت مضيقة لمدلولاتها التي كانت متسعة في إطلاق المتقدمين .
وفي ضوء هذه الحقائق العلمية فإننا نستخلث بأن المعنيين (( بالمتقدمين )) هم حفاظ مرحلة الرواية ، وبالخصوص نقادهم ، وبالمتأخرين أهل مرحلة ما بعد الرواية ، فإن كلاً من هاتين المجموعتين تنفصل عن الأخرى أصالة وتبعية ، في مجال الحديث وعلومه ، فلا ينبغي الخلط بينهما ، لأنه ظهر بينهما خلاف جوهري وتباين منهجي ، وهذا ما سأبينه في الفقرات الآتية :