محاكمة الأحاديث إلى القرآن والعقل
أما قضية محاكمة الأحاديث إلى القرآن والعقل التي لا يزال البعض ينادي بها فأمر لا بد منه فقط بغرض معرفة معانيها ، واستقامة العمل بمقتضاها ، أما بخصوص التحقق من صحتها وقبولها ، كمقياس عام لذلك ، وبشكل مستمر ، فأمر مغاير منهجياً ، بل يأباه الواقع ، ولهذا قال الإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ : (( إن القول به جهل ))(1) .
وبما أن من الأحاديث ما يفسر القرآن تقييداً وتخصيصاً ، أو تعميماً وإطلاقاً ، فإن محاكمتها إلى القرآن، كمنهج مستقل ثبت أن تظل محل تساؤل كبير ، والسؤال الآخر الذي يبعث على الحيرة هو : ماذا يبقى عندئذ من جملة الأحاديث التفسيرية إذا نحن انتهجنا هذا المنهج ذاته ، وكانت تعارض ظاهر القرآن ؟ .
هذا وإن في الأحاديث ما هو متشابه أو ما يتصل بالغيبيات ، والمعجزات ، والصفات ، ولا يصلح في شئ منها الاستعانة بالعقل البشري المحدود ، ولهذا فإن علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ كان يقول : (( حدثوا الناس بما يعرفون ، أتحبون أن يكذب الله ورسوله )) . وفي رواية أخرى : (( ودعوا ما ينكرون )) أي ما يشتبه عليهم فهمه(2) ، ويقول عبدالله بن مسعود : (( ما أنت محدث حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة ))(3) .
والذي يتعين علينا أن نعرض نحن أقوالنا وآراءنا على القرآن والسنة بحيث تكونان فعلاً معيارين لها في القبول أو الرد تبعاً للموافقة أو المخالفة لهما ، وذلك إقراراً منا لعدم عصمتنا من الخطأ أو الكذب ، أما أقوال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فالواجب أخذها وقبولها ولا مناص ، ولهذا قال الإمام مالك ـ رحمه الله ـ : (( كل قول يؤخذ ويرد إلا قول صاحب هذا القبر )) يعني قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
ولعل القائلين بضرورة عرض الأحاديث على الكتاب للتحقق من صحتها نظروا إلى عدم العصمة فيمن يروي تلك الأحاديث ، وإستحالة صدور المنافاة للنصوص القرآنية من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ لا قولاً ولا عملاً ولا إقراراً ـ وهذا حق لا نزاع فيه ، غير أن إطلاق القول في محاكمة من يروي عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم باستثناء المتواتر ، لا يبرره الواقع ، بل فيه ما يؤدي إلى التسوية بين أقواله وأقوال الآخرين ، وهذا من الخطورة بمكان .
إن النتائج التي تترتب عن هذه المحاكمة لا تكونوا مقبولة في كثير من الأحيان ، حيث لا يلزم أن يكون ما وافقه النص القرآني من المرويات قد قاله النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالضرورة ، وكذا كل ما تظهر في مخالفة منها لمنطوق القرآن لا يشترط فيه عدم تعرضه صلى الله عليه وعلى آله وسلم له بالقول فيه ، لأن المخالفة هنا لا تعني مجرد عدم التعرض له من قبله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لاتفاق الأمة على أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم يبين مقصود القرآن ، إما تقييداً أو تخصيصاً ، بل يحرم أو يحلل فيما لم يرد فيه حكم قرآني واضح وكل ذلك بإملاء منه سبحانه وفهم أوحاه إليه .
فالمحاكمة إذن ليست بوحدها مقياساً لمعرفة ثبوت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ونفيها ، ولا يكاد الفرق بين إثبات قول وبين قبول مضمونه خافياً على أحد من المنصفين ، حيث إن قبول المحتوى لقول ما تبرره موافقة النصوص القرآنية له ، كما تبرر رفضه مخالفتها له ، بينما الأمر في إثبات قول عن صاحبه أو نفيه يتوقف على أمور خاصة تدل على وقوع أو عدمه . ومن هنا ساغ الإطلاق بيننا : (( هذا موضوع لكن معناه صحيح )) . كما ورد عن الحافظ ابن عبد البر قوله : في حديث (( تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية وطلبه عبادة ... )) الذي رواه عبد الرحيم العمي المتهم ، هذا حديث حسن جداً لكن ليس له إسناد قوي(4) ، وبذلك المبدأ تنتفي كثير من الإشكاليات الفنية والجوهرية التي يثيرها تحسين بعض المحدثين للأحاديث ، سيما الإمام الترمذي ي سننه ، رغم بطلان سندها ، أو شذوذه وغرابته ، لأن قصدهم بذلك قبول مضمونها بموافقته النصوص الثابتة أو عدم مخالفته لها فقط ، دون ثبوتها عن صاحبها لا لفظاً ولا معنى .
ولا يعني هذا أن المحاكمة إلى القرآن ليس لها دور في التصحيح والتعليل ، بل إن دورها يكون بارزاً في بعض المجالات التي تقتضيها ، سيما عندما ينفرد راو ، أياً كان هو ، بشئ غريب لا يعرفه أحد ، لا رواية ولا عملاً ، يتعين عرضه على القرآن ثم السنة ثم الإجماع ، على أن التفرد بهذا الشكل كاف لرد ما تفرد به الراوي ، فبمخالفته أصلاً من هذه الأصول الثلاثة يجزم الناقد بأنه مردود ، وأنه خطأ في نسبته إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، أو كذب فيه .
وأما إن كان ما انفرد له معمولاً به في عهد الصحابة وكبار التابعين أو مروياً من جهات أخرى بما يوافقه أو بما يشهد له ، فالواجب علينا قبوله دون تردد ، لقناعتنا بأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد قاله . وإن كان ذلك يسمى غير الأحاد فإنه يصبح بمثابة المشهور ، لخروجه من الغرابة والشذوذ ، كما ستضح ذلك من سياق كلام الإمام أبي داود حول منهجه في السنن(5) ، ولا ينبغي إذن الخلط بين الغريب الشاذ وخبر الأحاد ، كما لاحظنا ذلك عند المتكلمين والمعتزلة .
واللجوء إلى المحاكمة إنما هو في الخاص القليل من الحديث كما أفادنا الشافعي بقوله :
ولا يستدل على أكثر صدق الحديث وكذبه إلا بصدق المخبر وكذبه إلا في الخاص القليل من الحديث ، وذلك أن يستدل على الصدق والكذب فيه بأن يحدث المحدث ما لا يجوز أن يكون مثله ،أو ما يخالفه ما هو أثبت وأكبر دلالات بالصدق منه(6)
وهذا بعينه ما عمل به سيدنا عمر ـ رضي الله عنه ـ إنما رده لمخالفته نصوص القرآن مخالفة صريحة بحيث تمنع صدوره كحكم عام من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وبالإطلاع على مواقف عمر ـ رضي الله عنه ـ من قبول الأحاديث من رواتها ظهر أنه لم يتبع منهج المحاكمة إلى القرآن إلا في هذا الحديثة، وذلك لغرابته وشذوذه ، وأما ما عداه من الأحاديث فقد قبله عمر من غير المحاكمة .
وقول عائشة ـ رضي الله عنها ـ في صدد حديث فاطمة السابق ذكره ، لم يكن سوى تأكيد منها على جانب الغرابة والشذوذ في فهمها من قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، من أن الذي صدر في حقها منه صلى الله عليه وعلى آله وسلم إنما هو حكم عام للمطلقة تطليقاً بائناً .
قالت عائشة ـ رضي الله عنها ـ (( ما لفاطمة ؟ ألا تتقي الله ؟ )) يعني في قولها : (( لا سكنى ولا نفقة ))(7) .
وعن عروة : عابت عائشة أشد العيب ، وقالت : إن فاطمة كانت في مكان وحش فخيف على ناحيتها ، فلذلك أرخص لها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم(8) .
وقد أكد بن حبان على أهمية المحاكمة إلى القرآن وغيره من الأصول ـ كالسنة والإجماع ـ ، وذلك فقط حينما يصبح الحديث غريباً شاذاً غير معروف ، وأنا أسوق هنا قوله بحروفه :
(( بل الإنصاف في النقلة في الأخبار استعمال الاعتنبار فيما رووا ، وإني أمثل مثالاً يستدرك به ما وراءه ، وكأنا جئنا إلى حماد بن سلمة ، فرأيناه روى خبراً عن أيوب عن ابن سرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم نجد ذلك الخبر عند غيره من أصحاب أيوب ، فالذي يلزمنا فيه التوقف عن جرحه ، والاعتبار بما رواه غيره من أقرانه ، فيجب أن نبدأ ، وننظر لهذا الخبر : هل رواه أًحاب حماد بن سلمة عنه ، أو رجل واحد منهم وحده ؟ فإن وجد أًحابه فقد رواه علم أن هذا قد حدث به حماد ، وإن وجد ذلك من وراية ضعيف عنه ألزق ذلك بذلك الراوي دونه ، فمتى صح أنه رواه عن أيوب ما لم يتابع عليه يجب أن يتوقف فيه ولا يلزق به الوهن بل ينظر : هل روى أحد هذا الخبر من الثقات عن ابن سيرين غير أيوب ؟ فإن وجد ذلك علم أن الخبر له أصل يرجع إليه ، وإن لم يوجد ما وصفنا ننظر حينئذ هل روى أحد هذا الخبر عن أبي هريرة غير ابن سيرين من الثقات ؟ فإن وجد ذلك علم أن الخبر له أًل ، وإن لم يوجد ما قلنا ننظر : هل روى هذا الخبر عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم غير أبي هريرة ؟ فإن وجد ذلك صح أن الخبر له أصل ومتى عدم ذلك والخبر نفسه يخالف الأصول الثلاثة علم أن الخبر موضوع لا شك فيه ، وأن ناقله الذي تفرد به هو الذي وضعه )) اهـ(9) .
وكثيراً ما ستند البعض في تبني المحاكمة كمنهج للتصحيح والتضعيف إلى ما جمعه بدر الدين الزركشي في رسالة أسماها : (( الإصابة فيما استدركته عائشة على الصحابة )) ، ويزعمون بأن ما في هذه الرسالة أًل أًيل لمحاكمة الأحاديث إلى القرآن .
وفي الواقع إن ما ذكره الزركشي ـ حسبما قاله الشيخ الفاضل الدكتور الأعظمي ـ البعض منه غير ثابت سنداً ، والبعض الآخر كان في الواقع فتاوى لبعض الصحابة خالفوا فيها الأحاديث لعدم معرفتهم بها ، فصححت فتواهم ، وبعد هذا وذاك أيضاً تصفو عدة أحاديث رواها الصحابة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فأنكرت عليهم .
فمن تتبع ما ورد عن عائشة في جانب الإنكار ، وأمعن النظر فيع يعلم جيداً أنه لم تسلك في كشف الأخطاء والأوهام مسلك المحاكمة إلى القرآن ، وإن ثبت منهج العرض على ما تعلمه وتحفظه من الأحاديث فكانت ترد ما خالفه ، وتقبل ما عداه ، وهو تأصيل لمنهج المحدثين حقاً ، وتأسيس له صدقاً .
إن أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنكرت على ابن عمر ما رواه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (( إن الميت يعذب في قبره ببكاء أهله عليه )) ، حين قالت : (( رحم الله أبا عبد الرحمن ، سمع شيئاً فلم يحفظه ، وإنما مرت على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم جنازة يهودي ، وهم يبكون عليه فقال : (( أنتم تبكون وإنه ليعذب )) وفي رواية قالت : (( وهل )) ـ يعني : غلط ـ إنما قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (( إنه ليعذب بخطيئته أو بذنبه ، وإن أهله ليبكون عليه الآن ))(10) .
(1) اختلاف الحديث للإمام الشافعي ـ هامش الأم ـ 7/45 .
(2) صحيح الإمام البخاري ـ كتاب العلم ـ 1/225 ( فتح الباري )
(3) رواه مسلم في المقدمة ـ باب النهي عن الحديث بكل ما سمع ـ 1/76 ( مع شرح النووي ) وذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري 1/225 .
(4) انظر تدريب الراوي 1/162 .
(5) قال أبو داود : والأحاديث التي وضعتها في كتاب السنن أكثرها مشاهير ، وهي عند كل من كتب شيئاً من الحديث إلا أن تمييزها لا يقدر عليه كل الناس ، الفخر بها أنها مشاهير ، فإنه لا يحتج بحديث غريب ... ( رسالته إلى أهل مكة ص29) فهذا يدل على أن المشهور يطلق على كل حديث خرج عن حد الغرابة والشذوذ إما بورده عن طريق آخر أو بشيوع العمل بمقتضاه ، وهو خلاف ما استقر عليه المتأخرون في تعريف مصطلح ((المشهور)) .
(6) الرسالة ، ص399
(7) البخاري في كتاب الطلاق ، باب قصة فاطمة بنت قيس 9/477(فتح الباري)
(8) البخاري في كتاب الطلاق ، باب قصة فاطمة بنت قيس 9/477( فتح الباري)
(9) مقدمة صحيح ابن حبان 1/143 .
(10) رواه مسلم في كتاب الجنائز ، باب الميت يعذب ببكاء أهله .. 6/232 .