تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المسائل المحررة على ظاهر الإسناد والرواه

وتشكل المسائل في علوم الحديث أصولاً علمية وأسساً متينة ، كان المتقدمون النقاد يؤسسون عليها تصحيح الأحاديث وتعليلها ، وهي جديرة بالدراسة دراسة معمقة ، ومنها مسألة التفرد ، وزيادة الثقة ، ومسألة العلة ، ومسألة الاعتبار ، ومن هذه المسائل ما حررت أحكامها قبولاً ورداً بناء على الظاهر وأحوال الرواة ، بينما كانت الأحوال فيها قبولاً ورداً عند المتقدمين مؤسسة على مجموعة من الاعتبارات العلمية مضافة إلى أحوال الرواة . ومما استقر عليه نقد المتقدمين أن أحوال الرواة لا تكفي لوحدها في معرفة صحة الحديث وضعفه ، حيث إنهم يردون من أحاديث الثقات ما تبين لهم خطؤه ، كما أنهم يقبلون ويصححون من أحاديث الضعفاء ما عرفوا حفظه وضبطه ، ولهذا أصبح خلو الرواية وسلامتها من العلة عنصراً هاماً في تعريف الصحيح ، فمسائل القبول والرد ينبغي أن تحرر فس ضوء الواقع العلمي الذي يلمس في منهج المتقدمين النقاد .

وتوضيحاً لذلك نذكر ههنا مثالاً ، يقول الإمام ابن الصلاح : في مناسبة تحرير الأحكام المتعلقة بالشاذ : إذا انفرد الراوي بشئ نظر فيه : فإن كان ما نفرد به مخالفاً لما رواه من هو أولى منه بالحفظ لذلك وأضبط كان ما أنفرد به شاذاً مردوداً ، وإن لم تكن فيه مخالفة لما راوه غيره ، وإنما هو أمر رواه هو ولم يروه غيره ، فينظر غي هذا الراوي المتفرد ، فإن كان عدلاً حافظاً موثوقاً بإتقانه وضبطه قبل ما انفرد به ، ولم يقدح الإنفراد فيه ، كما فيما سبق من الأمثلة ، وإن لم يكن ممن يوثق بحفظه وإتقانه لذلك الذي انفرد به كان انفراده خارماً له مزحزحاً له عن حيز الصحيح ، ثم هو بعد ذلك دائر بين مراتب متفاوته بحسب الحال ، فإن كان المنفرد به غير بعيد من درجة الحافظ الضابط المقبول تفرده استحساناً حديثه ذلك ، ولم نحطه إلى قبيل الحديث الضعيف ، وإن كان بعيداً من ذلك رددنا ما انفرد به وكان من قبيل الشاذ المنكر ، فخرج من ذلك أن الشاذ المردود قسمان .

(( أحدهما : الحديث الفرد المخالف ، والثاني : الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابراً لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف )) هـ(1)

إن هذه المسألة التي تعرض لها ابن الصلاح من أهم قواعد التصحيح والتعليل ، وأغمضها وأغوصها وأوسعها ، والتي يتوقف إدراك كنهها واستيعاب أبعادها على ممارسة حقيقية لمنهج علماء النقد من المحدثين ، ولا تكون في متناول الجميع بمجرد حفظ المصطلحات الحديثية وتعاريفها ، وقد أساء الكثيرون حين اختطفوا لمسألة التي فصلها ابن الصلاح ـ رحمه الله ـ وطبقوها في بحوثهم ودراساتهم ، فصححوا الإسناد بكون رواته ثقات وحسنوا بوجود صدوق فيه ، وضعفوا لكون راويه ضعيفاً ، وفي حالة وجود شاهد أو متابعة فيرقون الحسن إلى الصحيح ، والضعيف إلى الحسن ، فدار التصحيح والتضعيف على ظواهر الإسناد وأحوال رواته ، وأصبح الإسناد ورواته محل دراستهم بغض النظر عن متنه ، حتى تحقق ما روجه المستشرقون من أن دراسة المحدثين لم تتجاوز الإسناد لشدة اهتماهم بالنظر الخارجي ، مما أدى إلى تبلور المصطلحات الجديدة مثل قولهم : صحيح لذاته ، وصحيح لغيره ، وحسن لذاته ، وحسن لغيره .

إن المسألة التي حررها الإمام ابن الصلاح في مبحث الشاذ متصلة بزيادة الثقة وتفرده ، والعلة ، عموماً ، ويرجع أساسها إلى حالتين ، وهما حالة التفرد ، وحالة المخالفة ، ولكون كل منهما لا يتحقق إلا لأسباب متنوعة مثل صدق الراوي وإتقانه ، ومثل وهمه وخطئه ، ومثل كذبه وافترائه ، فإن إطلاق القبول والصحة على ما تفرد به الثقة أو إطلاق الضعف والرد على ما خالف فيه الثقة لمن هو أوثق منه أمر لا يقره المنطق ولا الواقع ، لأن تفرد الثقة يحتمل وقوعه من جهة الخطأ والوهم ، كما يحتمل أن يكون سببه الحفظ والإتقان فعندئذ يتوقف الحكم على معرفة القرائن الدالة على هذا أو ذاك ، وكذا مخالفته فإن السبب الذي يؤدي إلى ظهورها في رواية الثقة يمكن أن يكون الخطأ والوهم ويمكن أن يكون الحفظ والإتقان ، فالحكم على ما خالف الثقة لمن هو أوثق منه متوقف على تعيين سبب المخالفة وهذا واضح جلي مما ذكره ابن الصلاح ـ رحمه الله ـ في مبحث العلة ، دون أن نحتاج إلى مراجعة منهج المحدثين في التصحيح والتعليل .

يقول ابن الصلاح : الحديث المعلل : الحديث الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته ، مع أن ظاهرة السلامة منها ، ويتطرق ذلك إلى الإسناد الذي رجاله ثقات ، الجامع شروط الصحة من حيث الظاهر ، ويستعان على إدراكها بتفرد الراوي وبمخالفة غيره له ، مع قرائن تنظم إلى ذلك تنبه العارف بهذا الشأن على إرسال في الموصول أو وقف في المرفوع ، أو دخول حديث في حديث أو وهم لغير ذلك بحيث يغلب على ظنه فيحكم به أو يتردد فيتوقف فيه(2) .

فابن الصلاح ـ رحمه الله ـ يذكر ضمن تحرير معنى العلة ما يشير إلى الأبعاد الحقيقية لكثير من المسائل الأساسية الكامنة في تفرد الثقة وزيادته ومخالفته ، والمعمول به منها لدى المتقدمين ، كما أنه يلمح إلى الأسس العلمية التي يتبنى عليها منهج النقد عند النقاد غير أننا أغفلناها لكثرة ولوعنا بجانب حفظ المصطلحات وتحقيق معانيها دون فهم مسائلها لأن ذلك يحتاج إلى قليل من التريث ، وربط المسائل المتشابهة بعضها ببعض ، وعرضها على الواقع العلمي لمنهج نقاد الحديث المتقدمين .

وخلاصة ما ذكره ابن الصلاح أن العلة هي ما دل على الخطأ والوهم ، وأنها تتطرق كثيراً إلى رواية الثقات ، وأنها تدرك بتفردهم ـ وهم الثقات ـ أو بمخالفتهم للغير إذا انضمت إليه القرائن التي تنبه الناقد على أن هذا التفرد والمخالفة ناتجان عن الخطأ والوهم ، وهذا في الواقع مانع لإطلاق القبول فيما تفرد به الثقة أو فيما زاده كما هو مانع لإطلاق الرد فيما خالف الثقة لغيره ، وإنما مدار القبول والرد على القرائن العلمية التي لا يحصيها العدد ، والتي لا يقف عليها إلا الناقد المتمرس الفطن ، إذ لكل حديث قرينة خاصة ، كما صرح بذلك المحققون(3) مثلاً كون الراوي أوثق أو أحفظ قرينة اعتمد عليها النقاد ، لكنهم لم يعتبروها في كافة الروايات ، وجميع الأحاديث ، وهكذا … ، وإدراك القرينة المرجحة لا يتم إلا للناقد صاحب الذوق الحديثي ، لهذا قال الحاكم وغيره : (( الحجة فيه ـ أي في معرفة خطأ الراوي ـ عندنا الحفظ والفهم والمعرفة لا غير(4) .

وفي ضوء ما سبق تبين لنا أن المسائل التي فصلها ابن الصلاح في مبحث الشاذ لا يصلح الاعتماد عليها إلا بربطها بما ذكره في مبحث العلة ، لأنها لم تؤسس إلا على الظواهر وأحوال الرواة ، وستفاد مما تقدم أن التفرد أو المخالفة ينبغي قيدها إذا وقع إطلاقهما في تعريف مصطلح ما ، وذلك بحسب انضمام القرائن إليهما ، وكذا في تحرير أحكام القبول والرد فيهما .

إن المسألة التي حررها الإمام ابن الصلاح في مبحث الشاذ متصلة بزيادة الثقة وتفرده ، والعلة ، عموماً ، ويرجع أساسها إلى حالتين ، وهما حالة التفرد ، وحالة المخالفة ، ولكون كل منهما ، لا يتحقق إلا لأسباب متنوعة مثل صدق الراوي وإتقانه ، ومثل وهمه وخطئه ، ومثل كذبه وافترائه ، فإن إطلاق القبول والصحة على ما تفرد به الثقة أو إطلاق الضعف والرد على ما خالف فيه الثقة لمن هو أوثق منه أمر لا يقره المنطق ولا الواقع ، لأن تفرد به الثقة يحتمل وقوعه من جهة الخطأ والوهم ، كما يحتمل أن يكون سببه الحفظ الإتقان فعندئذ يتوقف الحكم على معرفة القرائن الدالة على هذا أو ذاك ، وكذا مخالفته في السبب الذي يؤدي إلى ظهورها فر رواية الثقة يمكن أن يكون الخطأ والوهم ويمكن أن يكون الحفظ والإتقان ، فالحكم على ما خالف الثقة لمن هو أوثق منه متوقف على تعيين سبب المخالفة وهذا واضح جلي مما ذكره الإمام ابن الصلاح ـ رحمه الله ـ في مبحث العلة ، دون أن نحتاج إلى مراجعة منهج المحدثين في التصحيح والتعليل .

يقول ابن الصلاح : الحديث المعلل : الحديث الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته ، مع أن ظاهره السلامة منها ، ويتطرق ذلك إلى الإسناد الذي رجاله ثقات ، الجامع شروط الصحة من حيث الظاهر ، ويستعان على إدراكها بتفرد الراوي وبمخالفة غيره له ، مع قرائن تنظم إلى ذلك تنبه العراف بهذا الشأن على إرسال في الموصول أو وقف في المرفوع ، أو دخول حديث في حديث أو وهم واهم لغير ذلك فيحكم به أو يتردد فيتوقف فيه(5) .

فابن الصلاح ـ رحمه الله ـ يذكر ضمن تحرير معنى العلة ما يشير إلى الأبعاد الحقيقية لكثير من المسائل الكامنة في تفرد الثقة وزيادته ومخالفته ، والمعمول به منها لدى المتقدمين ، كما أنه يلمح إلى الأسس العلمية التي يتبنى عليه منهج النقد عند النقاد غير أننا أغفلناها لكثرة ولوعنا بجانب حفظ المصطلحات وتحقيق معانيها دون فهم مسائلها لأن ذلك يحتاج إلى قليل من التريث ، وربط المسائل بعضها ببعض ، وعرضها على الواقع العلمي لمنهج نقاد الحديث المتقدمين .

وخلاصة ما ذكره ابن الصلاح أن العلة هي ما دل على الخطأ والوهم ، وأنها تتطرق كثيراً إلى رواية الثقات ، وأنها تدرك بتفردهم ـ وهم الثقات ـ أو بمخالفتهم للغير إذا انضمت إليه القرائن التي تنبه الناقد على أن هذا التفرد والمخالفة ناتجان عن الخطأ والوهم ، وهذا في الواقع لإطلاق القبول فيما تفرد به الثقة أو فيما زاده كما هو مانع لإطلاق الرد فيما خالف الثقة لغيره ، وإنما مدار القبول والرد على القرائن العلمية التي لا يحصيها العدد ، والتي لا يقف عليها

إلا الناقد المتمرس الفطن ، إذ لكل حديث قرينة خاصة ، كما صرح بذلك المحققون(6) مثلاً كون الراوي أوثق أو أحفظ قرينة اعتمد عليها النقاد ، لكهنم لم يعتبروها في كافة الروايات ، وجميع الأحاديث ، وهكذا … ، وإدراك القرينة المرجحة لا يتم إلا للناقد صاحب الذوق الحديثي ، ولهذا قال الحاكم وغيره : (( الحجة فيه ـ أي في معرفة خطأ الراوي ـ عندنا الحفظ والفهم والمعرفة لا غير(7) .

وفي ضوء ما سبق تبين لنا أن المسائل التي فصلها ابن الصلاح في مبحث الشاذ لا يصلح الاعتماد عليها إلا بربطها بما ذكره في مبحث العلة ، لأنها لم تؤسس إلا على الظواهر وأحوال الرواة ، ويستفاد مما تقدم أن التفرد أو المخالفة ينبغي قيدها إذا وقع إطلاقهما في تعريف مصطلح ما ، وذلك بحسب انضمام القرائن إليهما ، وكذا في تحرير أحكام القبول والرد فيهما .

وإليك بعض النصوص المؤيدة لذلك : يقول الإمام أحمد : (( إذا أصحاب الحديث يقولون : هذا حديث غريب أو فائدة فاعلم أنه خطأ أو دخل حديث في حديث أو خطأ من المحدث ، أو حديث ليس له إسناد ، وإن كان قد روى شعبة وسفيان ))(8)

ويقول أبو داود : (( … فإنه لا يحتج بحديث غريب ولو كان من وراية مالك ويحيى بن سعيد والثقات من أئمة العلم … ))(9) .

(1) مقدمته ص : 46 .

(2) نفس المصدر 53 .

(3) انظر في شرح العلل لابن رجب ص : 208 .

(4) انظر معرفة علوم الحديث ص : 112 .

(5) نفس المصدر 53 .

(6) انظر في شرح العلل لابن رجب ص : 208 .

(7) انظر معرفة علوم الحديث ص : 112 .

(8) الكفاية ، للخطيب البغدادي ، ص : 172 .

(9) رسالة أبي داود ص : 29 .

نظرات جديدة في علوم الحديث · الصفحة ٢١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

نظرات جديدة في علوم الحديثص ٢١